في عام 1994 وكنت أتلمس الطريق للكتابة قرأت مقالا بإحدى الدوريات الثقافية كان متخذا سمت البحث العلمي وكان موضوعه "العنف في القرآن"، وكان من رأي الكاتب أن القرآن يؤسس لإستراتيجية العنف وبالتالي يكون القرآن مسئولا مباشرا عن حالات الإرهاب التي شاعت في التسعينيات. المقال كان مدعوما بكثير من الآيات القرآنية مثل "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" وغيرها مما جعل للمقال رائحة الحقيقة، ولولا أني وقتها كنت أقدس التفكير العلمي وأعلم أن المقدمات تؤدي إلى النتائج فقد رأيت ـ مدفوعا برغبة في المعرفة ـ أن أراجع المقدمات التي افترضها كاتب المقال والتي سقطت من تلقاء نفسها بوضع الآية في سياقها فإن الآية السابقة مثلا تنتهي بالقول "فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم". وبسذاجة شاب في العشرين كتبت مقالا للرد على ما رأيت أنه روح يفتقد العلمية ولكن الدورية رفضت مقالي لما رأت فيه من موقف غير علماني لا يناسب طبيعة الدورية!
الحقيقة أني وقتها وكنت طالبا في الجامعة لم أندهش كثيرا، كنت قد اعتدت طوال سنوات الدراسة على أني محسوب على فرقتين، نشاطي في كثير من المنتديات الثقافية وفي تنظيم بعض المسيرات التي نددت مثلا بمحاولة قتل نجيب محفوظ أو مصادرة ألف ليلة وليلة واشتباكي أحيانا مع الجماعات الإسلامية بسبب الانتخابات كل هذا كان يدعمني في فريق المثقفين الليبراليين بينما كان بعض هؤلاء في الوقت نفسه يتعاملون معي بحذر كما لو كنت "عميلا مشتركا" بسبب بعض مواقفي التي كان يراها البعض رجعية ومتحيزة للإسلاميين منها أنني كنت على نقاش دائم مع هؤلاء بل وكان لي بعض الصداقات منهم.
بعد سنوات طوال وتحديدا في عام 2004 كتبت مقالا وكنت قد وصلت لمرحلة معقولة في دراسة مفهوم الخطاب والآليات التي تهيمن بها بعض الخطابات على غيرها كان مفاد المقال أن الآليات التي تنظم عمل الخطاب الليبرالي للمثقفين في مصر هي ذاتها التي تنظم عمل الخطاب الأصولي وأن بعض الليبراليين أكثر تشددا وعنفا من الأصوليين وأن الجانبين يعتمدان في خطابهما على آليات التصنيف والتعميم والنفي والإقصاء وهي الآليات التي افترضتُ أنها آليات خطاب الجهل على تنوع توجهاته.
أكتب هذا الآن وفي ذهني الطريقة التي أسيء بها التعامل مع مقالاتي فحين فتحت ملف الطائفية وكتبت في موضوعها عدة مقالات متتابعة لم يكن في ذهني أن هناك من يتربص بما أكتب وبما يكتبه غيري، فمقالي عن تعصب المسلمين وجدته في اليوم التالي على كل المواقع المهتمة بالشأن القبطي كما لو كان لسان حالهم يقول "وشهد شاهد من أهلها" لدرجة أن عدة رسائل أتتني من أخوة مسيحيين يهنئونني على المقال بينما شُتمت بعدها بأيام من هؤلاء أنفسهم إثر مقالي عن الخطاب الديني المسيحي، وطبعا تبادل المسلمون والمسيحيون أدوارهم تجاه مقالاتي!
ما أعنيه أن كل فريق بلغ من تعصبه حد استعارة ما يوافق تعصبه وصم الآذان عما يشذ عن الكورس، ومثل موقف هؤلاء وهؤلاء موقف الأصوليين والليبراليين فكلما كتب أحدهم مقالا يمس من قريب أو بعيد الخطاب الديني يصنفه الأصوليون تحت مصنف "اللاديني" وهي الصفة التي من المحتمل أن تصيب الأئمة الأربعة أنفسهم لو أن الأصوليين يقرءون مواقفهم الفقهية الأكثر جرأة من الخطاب الديني الحالي، وكلما كتب آخر مقالا يشد من وتر الثقافة الإسلامية ويرفد من ربيعها في العصر الوسيط مثلا كلما وُسم بأنه رجعي.
فضلا عن ذلك فإن التصنيف يفرض حدود على المثقف موضوع التصنيف بما يعني أنه عملية افتئات على مفهوم التجربة التي تشير إلى التطور والتغير وهو المفهوم الأكثر فاعلية في عملية التفكير نفسها، معنى كلامي أن التصنيف يجعل من تغير المواقف الفكرية للمثقف أو تبدل آرائه في موضوع ما خيانة للفكرة التي تم تصنيفه داخل خندقها الفكري مثلا، وبالطبع فإن هذا من شأنه تجمد الفكر نفسه من جهة ومن جهة ثانية فإنه يفرض رعبا على المثقف الذي تم تصنيفه وتصنيف كتاباته لأن في وعيه ذكريات عن تخوين الكتاب والمثقفين وتجريدهم من ألقابهم مما يجعل من الاستسلام لفكرة مسبقة أو لطائفة محددة هو الأمر الأسلم في الحياة الفكرية. وقديما قيل إنه إذا ما بدا أن الناس جميعا صاروا يفكرون على النهج نفسه فإن ذلك معناه أن الناس قد كفوا عن التفكير أساسا. إن التصنيف آفة حياتنا الفكرية ومرض كل نشاطاتنا الثقافية على كل مستوياتها وهو ما يجب التحرر منه إذا ما أردنا للحياة الثقافية أن يستقيم حالها فالثقافة ليست معلومات تشهر في وجه من يخالفوننا الرأي ولكن الثقافة بساط يمكن أن يسع الجميع ويسع الأفكار كلها. كان إمام الفكر الحر فولتير يقول "أختلف معك ولكني أدفع عمري من أجل أن تقول رأيك بحرية"، ولأني من دارسي الدراما وباحثيها أفهم أن "التصنيف آلة الجهل" فلا يمكن تصنيف مكبث شكسبير وراسكلينوف ديستوفسكي في خانة واحدة لمجرد أن كلاهما قاتل!
أتابع مدونتك بشغف وإعجاب ، لا تتوقف أبداعن الكتابة ، الماء ينزل من السماء منذان خلق الله الأرض فهل فى ذلك مبرر أن يتوقف الغيث عن النزول اليوم؟!
ReplyDeleteأدعوك لزيارة مدونتى والتعليق إذا وجدت لذلك ضرورة http://www.hayatinlines.blogspot.com