18 December 2008

دروس التنوير المصري

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=30378&Itemid=41


        قررت التوقف عن الكتابة عدة مرات. أعرف أنه قرار مبكر جدا لشخص لم يتم عامه الخامس والثلاثين بعد ولكن أيضا كشخص لم يتم عامه الخامس والثلاثين كان من غير المحتمل معاقرة واقع أشد قسوة مما يحسب ومعاقرة قدرة على الفعل أقل مما ينبغي. كان خلف هذا القرار إحساس بأن لا شيء يحدث وبأن لا شيء في الإمكان، بدت الحياة في مصر كصورة ثابتة تتكرر إلى ما لا نهاية متحدية كل هذا الصخب والضجيج الذي يملأ الكتب والصحف والمقاهي وقاعات المنتديات والندوات وقاعات الدرس. لدى بائعي الجرائد مئات الصحف التي لا يقرأها أحد والتي لا يسمع بها أحد أيضا وفي قائمة "الدش" آلاف القنوات الخاصة التي لا هم لها غير فضح النظام الحاكم والأنظمة الحاكمة في كل مكان، وكل حين يشوش على المشهد الثابت وقفة احتجاجية أو تظاهرة عابرة في مربع صغير بوسط القاهرة لا يسمع بها غير الواقفون احتجاجا أو هؤلاء الذين تعذر لسياراتهم المرور بهذا المربع والذين يطلون عادة من نوافذ سياراتهم وفي أعينهم تعبير محايد جدا وتساؤل عن فائدة أي شيء!

 

        وكانوا يعلموننا في المدارس أن الشعب المصري صاحب تاريخ من النضال الوطني ممتد في الزمن، وفي المدارس سمعنا بأحمد عرابي وثورته التي قرأنا في الكتب أنها كانت "هوجة" وليست ثورة، وعرفنا بسعد زغلول الذي تحدى الانجليز والخديوي لينتهي نضاله إلى الجملة الشهيرة "ما فيش فايدة" وعرفنا عن عبد الناصر الذي قيل لنا فيما بعد أن حركته لم تكن ثورة مباركة وإنما انقلابا كما لو أن الأسماء كانت تهمنا. أما من هم أصغر مني عمرا فإنهم تعلموا بالتأكيد كيف ينطقون ويكتبون عبارة "أول ضربة جوية" دون ملاحظة أنها الأخيرة أيضا؛ ولكن أي من جيلي وأي ممن جاءوا بعده لن يمكنهم تغيير المشهد الثابت أبدا في مصر، ولن يمكنهم في أفضل حالاتهم غير الصراخ في المربع الصغير الذي رسم لهم بمنطقة وسط البلد، أو الصراخ في مربع صغير في جريدة مثلما أفعل أنا.

 

        عشت حتى الآن وفي قناعتي أني ابن التنوير المصري الذي حصد الكثير في بدايات القرن الماضي، وكان الدرس الأول للتنوير أنه بدأ بالأساس في صيغة سؤال سياسي قبل أن يتحول إلى صيغته الثقافية، فمن يطالع مذكرات محمد عبده يفاجأ بأنها تخلو من كل ما هو شخصي بل ومن كل ما هو ثقافي رغم كل الجهد الذي بذله الرجل في حركة التنوير ورغم دوره في هذه الحركة، فما كان يشغل الرجل ورفاقه من رواد التنوير كان علاقة الحاكم بالمحكومين حتى ليمكننا القول إن التنوير في نسخته المصرية كان "دستوريا" أي أنه كان منشغلا بما يمكن أن ينظم حياة الفرد والأمة سياسيا، حتى وإن كان على عبد الرازق هو من صاغ سؤال التنوير في صورته الأولية فإن جهود هذا الجيل وأجيال بعده كانت منشغلة بالسؤال ذاته بدليل أن الثورة العرابية احتدمت لمطالبة عرابي بالدستور وبدليل أن دستور 1923 كان محصلة ثورة سعد زغلول. ولكن فشل الثورة العرابية مثلا التي كان محمد عبده ضالعا فيها دعاه للتوجه نحو تحرير العقل واللغة قبل تحرير الحياة السياسية، فقد بدا للرجل في أخريات حياته مثلما بدا لكثير ممن جاءوا بعده كلطفي السيد وطه حسين وغيرهما أن لا طائل من الكلام في السياسة.

 

        يقول طه حسين "فما كان من الممكن في رأيهما ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ـ تحقيق التحرر السياسي على الصعيد الداخلي في وجه الحكام الطغاة في إسطنبول أو القاهرة أو على الصعيد الخارجي في وجه السيطرة الأوروبية المفروضة بالاستعمار المباشر أو بالضغط غير المباشر، إلا بتحرير الإنسان بإزاء نفسه" وهو تحرير ثقافي قبل كل شيء، أي أن المحصلة من التنوير المصري ودرس التنوير الأول هو ضرورة تحرير العقل الإنساني الذي إن تحرر بات تحرير النشاط السياسي تحصيل حاصل.

 

        وفي رأيي أن كل هذا الصخب الذي يملأ الصحف والقنوات أضر بقضية الحرية أكثر مما أفادها، فقد اعتاد الكثيرون على أن هناك من يحمل صليبهم بدلا عنهم، وأن هناك من يصرخ بدلا عنهم، وأنه هناك ـ إذا اقتضت الحاجة ـ من يُسجن بدلا عنهم. وفي رأيي أن القضية الأوْلى بالاعتبار هي قضية "تحرير العقل" أولا وفي ظني أنها ليست بالقضية السهلة خصوصا وأن الذين يخوضون فيها يُتهمون بالكفر أحيانا، وهي تهمة جاهزة لدى بشر يقول عنهم الأديب التشيكي ميلان كونديرا "لديهم ميل للحكم على الأشياء قبل فهمها"!

 

        لا يعني ذلك أن يتوقف الجميع عن الكتابة في السياسة ولكن ما أعنيه أن تتوجه الكتابات السياسية إلى تنوير العقل سياسيا بديلا عن حشده عاطفيا ذلك أن توالي الاحتشاد العاطفي مع ثبات الصورة يولد على المدى البعيد حالة من حالات اليأس التي تعوق العقل عن ممارسة حريته فينتهي إلى الانغلاق أيديولوجيا أو دينيا وهو الانغلاق الذي يضر بالقضية الأهم.. قضية تحرير الإنسان بإزاء نفسه.

آلة الجهل

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=32793&Itemid=41


       

        في عام 1994 وكنت أتلمس الطريق للكتابة قرأت مقالا بإحدى الدوريات الثقافية كان متخذا سمت البحث العلمي وكان موضوعه "العنف في القرآن"، وكان من رأي الكاتب أن القرآن يؤسس لإستراتيجية العنف وبالتالي يكون القرآن مسئولا مباشرا عن حالات الإرهاب التي شاعت في التسعينيات. المقال كان مدعوما بكثير من الآيات القرآنية مثل "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" وغيرها مما جعل للمقال رائحة الحقيقة، ولولا أني وقتها كنت أقدس التفكير العلمي وأعلم أن المقدمات تؤدي إلى النتائج فقد رأيت ـ مدفوعا برغبة في المعرفة ـ أن أراجع المقدمات التي افترضها كاتب المقال والتي سقطت من تلقاء نفسها بوضع الآية في سياقها فإن الآية السابقة مثلا تنتهي بالقول "فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم". وبسذاجة شاب في العشرين كتبت مقالا للرد على ما رأيت أنه روح يفتقد العلمية ولكن الدورية رفضت مقالي لما رأت فيه من موقف غير علماني لا يناسب طبيعة الدورية!

 

        الحقيقة أني وقتها وكنت طالبا في الجامعة لم أندهش كثيرا، كنت قد اعتدت طوال سنوات الدراسة على أني محسوب على فرقتين، نشاطي في كثير من المنتديات الثقافية وفي تنظيم بعض المسيرات التي نددت مثلا بمحاولة قتل نجيب محفوظ أو مصادرة ألف ليلة وليلة واشتباكي أحيانا مع الجماعات الإسلامية بسبب الانتخابات كل هذا كان يدعمني في فريق المثقفين الليبراليين بينما كان بعض هؤلاء في الوقت نفسه يتعاملون معي بحذر كما لو كنت "عميلا مشتركا" بسبب بعض مواقفي التي كان يراها البعض رجعية ومتحيزة للإسلاميين منها أنني كنت على نقاش دائم مع هؤلاء بل وكان لي بعض الصداقات منهم.

 

        بعد سنوات طوال وتحديدا في عام 2004 كتبت مقالا وكنت قد وصلت لمرحلة معقولة في دراسة مفهوم الخطاب والآليات التي تهيمن بها بعض الخطابات على غيرها كان مفاد المقال أن الآليات التي تنظم عمل الخطاب الليبرالي للمثقفين في مصر هي ذاتها التي تنظم عمل الخطاب الأصولي وأن بعض الليبراليين أكثر تشددا وعنفا من الأصوليين وأن الجانبين يعتمدان في خطابهما على آليات التصنيف والتعميم والنفي والإقصاء وهي الآليات التي افترضتُ أنها آليات خطاب الجهل على تنوع توجهاته.

 

        أكتب هذا الآن وفي ذهني الطريقة التي أسيء بها التعامل مع مقالاتي فحين فتحت ملف الطائفية وكتبت في موضوعها عدة مقالات متتابعة لم يكن في ذهني أن هناك من يتربص بما أكتب وبما يكتبه غيري، فمقالي عن تعصب المسلمين وجدته في اليوم التالي على كل المواقع المهتمة بالشأن القبطي كما لو كان لسان حالهم يقول "وشهد شاهد من أهلها" لدرجة أن عدة رسائل أتتني من أخوة مسيحيين يهنئونني على المقال بينما شُتمت بعدها بأيام من هؤلاء أنفسهم إثر مقالي عن الخطاب الديني المسيحي، وطبعا تبادل المسلمون والمسيحيون أدوارهم تجاه مقالاتي!

 

        ما أعنيه أن كل فريق بلغ من تعصبه حد استعارة ما يوافق تعصبه وصم الآذان عما يشذ عن الكورس، ومثل موقف هؤلاء وهؤلاء موقف الأصوليين والليبراليين فكلما كتب أحدهم مقالا يمس من قريب أو بعيد الخطاب الديني يصنفه الأصوليون تحت مصنف "اللاديني" وهي الصفة التي من المحتمل أن تصيب الأئمة الأربعة أنفسهم لو أن الأصوليين يقرءون مواقفهم الفقهية الأكثر جرأة من الخطاب الديني الحالي، وكلما كتب آخر مقالا يشد من وتر الثقافة الإسلامية  ويرفد من ربيعها في العصر الوسيط مثلا كلما وُسم بأنه رجعي.

 

        فضلا عن ذلك فإن التصنيف يفرض حدود على المثقف موضوع التصنيف بما يعني أنه عملية افتئات على مفهوم التجربة التي تشير إلى التطور والتغير وهو المفهوم الأكثر فاعلية في عملية التفكير نفسها، معنى كلامي أن التصنيف يجعل من تغير المواقف الفكرية للمثقف أو تبدل آرائه في موضوع ما خيانة للفكرة التي تم تصنيفه داخل خندقها الفكري مثلا، وبالطبع فإن هذا من شأنه تجمد الفكر نفسه من جهة ومن جهة ثانية فإنه يفرض رعبا على المثقف الذي تم تصنيفه وتصنيف كتاباته لأن في وعيه ذكريات عن تخوين الكتاب والمثقفين وتجريدهم من ألقابهم مما يجعل من الاستسلام لفكرة مسبقة أو لطائفة محددة هو الأمر الأسلم في الحياة الفكرية. وقديما قيل إنه إذا ما بدا أن الناس جميعا صاروا يفكرون على النهج نفسه فإن ذلك معناه أن الناس قد كفوا عن التفكير أساسا. إن التصنيف آفة حياتنا الفكرية ومرض كل نشاطاتنا الثقافية على كل مستوياتها وهو ما يجب التحرر منه إذا ما أردنا للحياة الثقافية أن يستقيم حالها فالثقافة ليست معلومات تشهر في وجه من يخالفوننا الرأي ولكن الثقافة بساط يمكن أن يسع الجميع ويسع الأفكار كلها. كان إمام الفكر الحر فولتير يقول "أختلف معك ولكني أدفع عمري من أجل أن تقول رأيك بحرية"، ولأني من دارسي الدراما وباحثيها أفهم أن "التصنيف آلة الجهل" فلا يمكن تصنيف مكبث شكسبير وراسكلينوف ديستوفسكي في خانة واحدة لمجرد أن كلاهما قاتل!

حريق القاهرة.. بالفواصل الإعلانية


        ليس صحيحا أن الفن يشابه الواقع، تلك واحدة من أكثر الأخطاء شيوعا في عالم الفن وفي الحياة على السواء، الصحيح أن الحياة هي التي تقلد الفن بدليل أن ما يحدث في الواقع ليس إلا نسخا مقلدة تقليدا رديئا للفن، كالمنتجات الصينية، فأين قاتل سوزان تميم من سادية الكونت دي صاد أو من إنسانية مكبث في جموحها أو من تفلسف راسكولينيكوف، إن قاتل سوزان تميم نسخة رديئة جدا حتى أنه يبدو وكأنه نتاج كاتب درامي مبتدأ.

 

        الحياة أصبحت نسخة رديئة من فن رديء. ولذا فإن حريق القاهرة الذي شب ولا يزال منذ العام 2005 ليس إلا نسخة رديئة لا من حريق القاهرة 1952 وإنما من صور الحريق الذي شاهدناه في الأفلام المصرية التي تم إنتاجها بعد الثورة، ولأن الأعمال الدرامية السخيفة صارت تقدم مفتتة بفواصل إعلانية أكثر سخفا فإن الحياة لم تعد تنتج أحداثها دفعة واحدة. كنا قديما نشاهد الأحداث دفعة واحدة كقصة مكتملة البناء والشخصيات، كان حريق القاهرة حدثا مكتملا دراميا مثلما كانت الثورة ومثلما كانت الحرب التي أمكنها تغيير العالم وخرائطه في ستة ساعات، أما اليوم فلا يمكننا مشاهدة الحدث نفسه مكتملا أبدا، ذلك أن الحدث نفسه ـ بداية من الانفتاح السبعيني ـ لم يعد له اكتمال فلم يعد له بداية ونهاية، صار حدثا سائلا، الأحداث اليوم يبدو كأنها بدأت عند نقطة غير معلومة لتنتهي ـ هذا إن كانت لها نهاية ـ عند نقطة لا تنتهي.

 

        ولهذا السبب فإن التفكير في موسم الحرائق الذي كان حادث حريق مسرح بني سويف نقطة من نقط بداياته والذي امتد ـ حتى الآن على الأقل ـ إلى حريق المسرح القومي باعتباره حدثا يمكن تلخيصه تحت مسمى "حريق القاهرة" هو تفكير خاطئ كما لو أن ناقدا تقليديا يفسر مسرحية غير تقليدية بمنطق تقليدي. إن كل الكتابات التي تناولت الحرائق اشتغلت على دلالات الحريق كأن يُوصف حريق مجلس الشورى والمسرح القومي مثلا باعتباره تفريطا في عصر الخديوي إسماعيل أو أن يُفسر حريق المسرح القومي باعتباره ناتجا لانشغال وزير بشئون غير وزارية أو أن يفسر حريق المسافر خانة باعتباره حرقا للتراث وإهمالا للأصالة.

 

        فما دامت الحياة تقليدا للفن فإن تفسير أحداث الحياة يجب أن تفسر في ضوء الفن باعتباره الأصل المقلد عنه، فكما في المسلسلات الدرامية التي نشاهدها اليوم تكون الفواصل الإعلانية هي الأكثر أهمية والأكثر إلحاحا فإن مسلسل حريق القاهرة يجب أن يُقرأ في ضوء فواصله الإعلانية وليس في ضوء آخر، فلم يكن حريق مسرح بني سويف أكثر دلالة من تقليل مسئول كبير من حجم الفنانين الذين ماتوا حرقا حين قال "ما فيش ناقد كبير يروح بني سويف عشان 100 جنيه" مقيِّما المأساة في ضوء آليات السوق التي تفضح نفسها بنفسها بوجه مكشوف، الناقد الذي يسافر من أجل مائة جنيه لا يساوي غير مائة جنيه والممثل الذي يحصد الملايين يساوي ملايينه، ولم يكن الفاصل الإعلاني الذي سبق حريق بني سويف وتلاه وهو مهرجان المسرح التجريبي والذي يتلو أيضا حريق المسرح القومي ـ في مصادفة شديدة الميلودرامية ـ أقل دلالة من الحريق نفسه ـ أو بالأحرى الحريقيْن ـ ذلك أن الفاصل الإعلاني يكشف عن تناقض إقامة مهرجان للتجريب في بنية تقليدية ليس هذا فحسب بل في بنية تقليدية منهارة أيضا، فإذا كانت دلالة ما قاله المسئول في كشفها لرؤية العالم بمنطق "التسعير" فإن دلالة المهرجان تعكس رغبة رؤية العالم تلك في "التجميل" وكل منهما يشي بأن اللحظة لحظة درامية أصلا فقد اتفق ـ وفقا لميلودرامية الواقع ـ أن كان العام عام تجميل النظام بما سُمي بالاستفتاء الرئاسي.

 

        إن الاستفتاء الرئاسي الذي جرت وقائعه كفاصل إعلاني مبهج في مسلسل حريق القاهرة هو الأكثر دلالة من المقطع الدرامي لحريق بني سويف والمقطع الدرامي لحريق قطار الصعيد والمقطع الدرامي لحريق العبارة (ربما نسي البعض أن العبارة لم تغرق إلا بسبب ضخ المياه فوق سطحها المحترق) والمقطع الدرامي لحريق مجلس الشورى والمقطع الدرامي لحريق المسرح القومي. قد يكون لكل مقطع درامي دلالته الخاصة ولكن لأن الفاصل الإعلاني الذي يفصل بينها هو الأكثر موائمة مع الواقع شديد البرجوازية لأنه يقوم على "تجميل" المنتج لصالح منحه "سعرا" لا يستحقه فإن الإعلانات المتوالية عن إنجازات الحكومة التي تحاول تجميل قاع المدينة بمد ملاعب الجولف فوق سطحها ليس إلا محاولة لمنح الواقع قيمة ليست له وسعرا لا يستحقه. ولأن المصريين اليوم لم تعد تنطلي عليهم اللعبة ـ لعبة الإعلان ـ فإن الدراما والفواصل الإعلانية والحياة نفسها تحولوا إلى شيء سخيف ليس لا قوام ومن ثم لا قيمة له مما يشي بأنه في الفترة القادمة سوف يكف الناس عن التفكير في دلالة الحدث وفي دلالة الإعلان وسوف يشاركون في صنع الحريق الذي لا يعرف أحدنا إلى أي مدى يمكن له أن يمتد.

16 December 2008

أسطورة المرأة الغاوية

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=29662&Itemid=41


        ارتبطت المرأة بأسطورة الغواية، فحواء هي التي أغوت آدم بالخطأ الأول فهبط وهبطت إلى الأرض. القص الديني خصوصا في التوراة والإنجيل يحفزان التفكير على هذا النحو، ورغم أنه في القص القرآني "أغواهما" ـ آدم وحواء ـ "الشيطان" ووسوس لهما ـ آدم وحواء ـ الشيطان، وتاب عليهما ـ هكذا ـ الله في النهاية، فإن الخطاب الثقافي الإسلامي يتجاهل القص القرآني لصالح الإبقاء على القص التوراتي لأنه يؤكد إنتاج أسطورة المرأة الغاوية التي تبقي على ذكورة المجتمع العربي الإسلامي.

 

        يبدو أيضا أن أسطورة المرأة الغاوية استقرّت في الخطاب الثقافي العام بفعل فاعل، ففي الكتب التراثية ككتاب "المعارف" لابن قتيبة وغيره قتل قابيل هابيل لأن الأخير حظي بامرأة كان قابيل يرغبها، أما العمل الأدبي الأشهر في تاريخ الحضارة الإسلامية وأعني به "ألف ليلة وليلة" فإن المرأة لا ترغب فحسب في الخيانة وممارسة فعل الغواية بل إنها إن رغبت في ذلك فلن يوقفها شيء أبدا، هكذا دللت قصة الجني الافتتاحية وامرأته التي تحتفظ بخواتم عدد عشاقها رغم أن الجني يحبسها في صندوق، وهكذا تدلل حكاية شهريار نفسه الذي قرر الانتقام من بنات حواء لأن امرأته خانته.

 

        ومع شيوع أسطورة المرأة الغاوية في الثقافة العربية فإنه تم ترجمتها اجتماعيا في حجاب (بالمعنى المباشر وبالمعنى غير المباشر) بكل دلالات الاحتجاب والستر والإخفاء، وتم تدعيم هذا الحجاب بعدة مقولات من قبيل أنه صيانة للمرأة وأنه تكريما لها وهو ما تم التصديق عليه من قبل كثير من النساء اللائي ساهمن في إعادة إنتاج مستمرة للأسطورة. الغريب أن المسكوت عنه في هذه الأسطورة هو أن "الرجل" يحجب المرأة كي لا تغوي "الرجل"، أي أن الرجل في الوقت الذي يحجب فيه المرأة بحجة الحفاظ عليها فإنه في حقيقة الأمر يعمل لصالح نفسه لأن احتجاب المرأة معناه حماية الرجل من الوقوع في الغواية ولذلك ففي رأيي أن القول بأن الحجاب صيانة للمرأة هو قول مغلوط ويجب تعديله بالقول إن الحجاب صيانة للرجل!

 

        من جهة أخرى ففي ظني أن المسكوت عنه أيضا في أسطورة المرأة الغاوية أنها ـ أي الأسطورة ـ ليست دليلا ضد المرأة قدر ما هي دليل لصالحها ذلك أن الأسطورة في النهاية صنعت على يد رجل وليس على يد امرأة بمعنى أن الأسطورة هذه تحمل تصور الرجل عن المرأة وليس حقيقة المرأة ولا تصورها عن نفسها ولا يقلل من شأن ذلك النصوص التي يدعم بها الرجل موقفه وتصوره، ولأن إنتاج الأساطير الثقافية في أي مجتمع يعبر عن مواقف برجماتية لصالح منتج الأسطورة فإن البحث في هذه الأسطورة يجب أن يبدأ من المصلحة التي تحققها هذه الأسطورة لمنتجها وهو الرجل في حالتنا هذه، يمكن القول إن الرجل الذي يُفضل نساء منتقبات أو محتجبات هو رجل يخشى شيطانه لدرجة الموت، فلو أن الرجل لم يكن ذلك الذي يرتعب لفكرة الغواية لما مثّلت المرأة موضوع الغواية في ثقافة هو صاحب خطابها المهيمن. بمعنى أن الخطاب الثقافي المتشدد تجاه المرأة والذي يدافع عنه الكثيرون بحجة أنه حماية للمرأة وصيانة لها وتقديرا لها كذلك هو خطاب ذكوري حتى النخاع ذلك أنه يستهدف بالأساس صيانة الرجل من نفسه ومن رغبته التي يفكر في قمعها، الرجل يفكر في أن المرأة السافرة خطر عليه بينما لم يتوقف للتفكير في أن مصدر الخطورة ليس في المرأة وإنما فيه هو نفسه، فلو أنه قمع فضوله واحترم حرية المرأة لما فكر على هذا النحو أبدا.

 

        المدهش أن أغلب النساء اليوم يفضلن الاحتجاب بصورة أو بأخرى على أن يكن جدار صد لخطاب "المرأة التي تغوي" في حين أن كثيرا من الرجال وكثيرا من النساء يعرفون ويعرفن جميعا أنه كما أن المرأة يمكنها أن تكون محل غواية للرجل فإن الرجل أيضا يمكنه أن يكون موضوع غواية للنساء غير أن خطاب المجتمع بصيغته الذكورية قد تغافل عن هذه النقطة، الرجل نفسه يفضل طوال الوقت أن يكون أنيقا وأن يبدو قويا وشجاعا متوافقا مع صورته المثلى عن الرجل القادر على غواية النساء ورغم ذلك لم يفرض المجتمع على الرجل بخطاباته الدينية ولا الثقافية الاحتجاب بصورة أو بأخرى، إن أسطورة المرأة الغاوية تحافظ للرجل دائما على وجوده في مركز القوة فهو بعيدا عن الغواية من جهة لأنه قام بحجب أمه وأخته وزوجته وزوجات جيرانه وزوجات أصدقائه وزوجات الرجال جميعا بينما هو قادر طوال الوقت من جهة أخرى على غواية أي منهن في أي وقت!

 

        إن أسطورة المرأة الغاوية أسطورة كتبها راوٍ ذكوري حتى النخاع، أشدّ ما يخشاه هو الرغبة التي لم تفلح عقلانيته في كبحها. وفي رأيي أن هذه الأسطورة لا يسأل عنها الرجل فحسب، فرغم أنه صاحب خطابها فإن نساء كثيرات يتحملن مسئولية انتشار هذه الأسطورة. إن قبول النساء اليوم لحجبهن تحت أردية سوداء واستسلام النساء لسعْوَدِة (من سعودية) الشارع المصري هو في نهاية الأمر ليس استسلاما لخطاب الرجل فحسب بل تدعيما له أيضا.

 

الدون جوانة

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=31002&Itemid=41


        دخلت شخصية "دون جوان" أو دون خوان الأسطورية في الفلكلور الحكائي الإسباني في القرن السابع عشر، ورغم تأكيد الرواة أن دون جوان شخصية من صنع الخيال فإن البعض يؤكد أن لها مرجعية واقعية في إسبانيا القرن أوسطية. تقول الأسطورة الأصلية إن دون جوان كان عاشقاً شهيراً غوى أكثر من 1000 امرأة. وبقلب الأسطورة (تأنيثها) يُطرح السؤال لماذا لا يتعاطى المجتمع مع الدون جوانة مثلما يتعاطى مع الدون جوان؟. بمعنى آخر لماذا يتقبل المجتمع وجود الدون جوان بل ويعتمده كمثال للرجولة في حين أنه قطعا سوف يطالب برأس الدون جوانة، وعنه ـ أي المجتمع ـ أنه قال: الغازية لازم تنزل!

 

        في مسرحية نسوية صادمة، ترفع الممثلة طرف ثوبها كأنها في طريقها للتبول مثلما يفعل الرجال، يشهق الجميع في الصالة رجالا ونساء، ولكن في اللحظة الحاسمة تعيد الممثلة طرف ثوبها مرة أخرى، هي لحظة ولكنها كفيلة بالإطاحة بيقين الجمهور من أن الرجال يمتازون على النساء بأن لهم أعضاء لا يُخشى عليها!

 

        وفي مسرحية من مسرحيات الشارع للمخرج البرازيلي إجستو بوال أيضا داخل مترو الأنفاق يتحرش رجل بامرأة فلا يعبأ أحد من الركاب، وفي المحطة التالية تتحرش امرأة برجل فيهب الجميع لحماية الرجل من الشيطانة!

 

        في المسرحيتين يعاد طرح قضية مهمة وهي مدى وثوق المجتمع من بداهاته المتعلقة بالذكورة والأنوثة. في رأيي أن المجتمع وحده من يجعل من مصادفات الميلاد (مصادفة أن يولد الإنسان ذكرا أو أن يولد أنثى) مصادفات سعيدة للبعض ومصادفات سيئة للبعض الآخر.

 

        علينا أن نفهم أن الذكورة والأنوثة نتاج اجتماعي وليس نتاجا للطبيعة، لا يقلل ذلك بالطبع من العوامل البيولوجية ولكن ذلك يعني أن الرجل يولد رجلا ولكن عملية تحويله إلى ذكر هي عملية اجتماعية بحتة ذلك أن ممارسات المجتمع داخل الأسرة بداية ثم الشارع بعد ذلك والتي تمنح الذكر حرية أوسع مما تمنحها للأنثى، فضلا عن الرقابة المشددة على الأنثى في مقابل تساهل المؤسسات الرقابية نفسها مع الذكر لدرجة أن هذه المؤسسات تخفف وطأتها قليلا على الأنثى حين تصبح "أم فلان" كما لو أن الأنثى تتحصن وقتها في فكرة الأمومة كما لو كانت أمومتها عامل نفي لأنوثتها. هذا فضلا عن انغلاق مجتمعات الذكور في المدارس وفي المقاهي وعند النواصي حيث الأنثى موضوع افتراس ومحور قصص يعلن بها الأولاد لرفاقهم أنهم صاروا ذكورا، كل ذلك وغيره هو ما يجعل من هؤلاء ذكورا ومن هؤلاء إناثا. إن التمييز بين الولد والبنت داخل البيت وخارجه هو ما يصنع لدى الولد صورة ذهنية عن نفسه باعتباره ذكرا ولدى البنت صورة ذهنية عن نفسها باعتبارها أنثى الأمر الذي يترتب عليه سلسلة من الممارسات الآلية التي ينخرط بها الأولاد والبنات دون وعي والتي تؤكد كون الذكر ذكرا وكون الأنثى أنثى مما ينشأ عنه إحساس بطبيعية هذه الآليات ونسبتها للطبيعة بما يعني تضليل الذكور والإناث جميعا لأن البشر عادة ما يجعلون من الإجماع مشروعية حتى وإن لم يخضع هذا الإجماع لاختبار الصلاحية.

 

        أقول كل ذلك وفي ذهني ما قرأته عن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي والتي يرجعها البعض خطأ إلى ما يسمونه الكبت لدى الشباب، والخطأ في هذا التصور أنه يستبعد كون فعل التحرش يحدث فقط من الذكور رغم أن الكبت قد أصاب الذكور والإناث جميعا. ما أقصده أن التحرش هو تحرش ذكوري ناتج بالأساس عن الخطاب الذكوري للمجتمع وهو خطاب يتساهل مع أخطاء الذكور بينما لا يسمح أصلا بوجود أي هفوة لدى الإناث، بل إن الخطأ الذكري يقابل في كثير من الأحيان بالترحاب باعتباره تدشينا لذكورة الذكر، لك أن تتصور مثلا رسالة غرامية يتم اكتشافها في دفتر ولد ورسالة غرامية يتم اكتشافها في دفتر بنت!

 

        إن المجتمع الذي يتساهل مع فكرة الدون جوان لا يمكنه أبدا التساهل مع فكرة الدون جوانة ذلك أن الدون جوان فكرة تليق بذكر يعيش وسط عالم من الذكور بينما سوف يسمي هذا العالم أي دون جوانة بأوصاف أقلها أدبا أنها عاهرة.

 

        علينا إذا إن أردنا تحجيم ظاهرة التحرش الجنسي ألا نسمح لأولادنا أن يكونوا ذكورا أي أن نفهمهم أن مصادفة الميلاد لا تعني تمايزا إنسانيا أبدا، وألا نسرب إليهم فكرة أنهم مميزون بحكم الطبيعة كما علينا أن نقلل من مجتمعات الذكور المنغلقة على نفسها سواء في المدارس أو في الجامعات أو حتى على مستوى مجموعات الصداقة. لدينا تعبير كثيرا ما يقال دون أن نفهم حقيقته وهو "أنت مالكش أخوات بنات" والذي يفترض من الذكر أن يكون أكثر لياقة مع الأنثى لأن لديه أخت ـ أي أنثى ـ قابلة للتحرش بمنطق "داين تدان"، وفي رأيي أن هذه العبارة تتضمن أيضا أن الذكور الذين يندمجون مع الإناث داخل مجتمعاتهم باعتبارهم جميعا بشرا سوف يكونون أكثر احتراما للإناث لأن "الأنثى" لن تكون موضوع افتراس ولكنها سوف تكون موضوع شراكة.

اليوم خمر ورجال!

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=32159&Itemid=41

        في الأفلام التي كانت تؤرخ لبداية الدعوة الإسلامية كانت ليالي الكفار الماجنة كثيرا ما تفتتح بجملة كهذه "اليوم خمر ونساء" وهي جملة كانت تتفق كثيرا مع الطبيعة العربية وخطابها الثقافي، فالجملة تتضمن أن النساء كالخمر سواء بسواء، متعة للرجال الذين هم في هذه اللحظة: البشرية كلها، ذلك أن الصراع في الفيلم لن يكون إلا بين الرجال والرجال، وسوف تظل الخمر والنساء جائزتا الانتصار.. على الأقل في صفوف الكفار.

 

        وجاء في الأثر مما نُسب إلى رسول الله خطأ أنه قال "لولا النساء لعبد الله حق العبادة" وهي عبارة تتضمن أولا أن الرجال هم البشر فحسب وهم المنوط بهم عبادة الله بينما النساء هن متاع الدنيا الذي يلهي البشر (الرجال) عن العبادة، ومع هذا أفرط العرب قبل الإسلام وبعده في الالتذاذ بالنساء حيث قيل مثلا أن علي بن أبي طالب كان لديه غير زوجاته الأربع خمسة عشر سرية، ولذا جاء في الأثر التشجيع على النكاح للحد الذي يقول فيه عمر بن الخطاب "إني لأتزوج المرأة وما لي بها حاجة وأطؤها وما لي بها من شهوة قيل وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين قال أحب أن يخرج مني من يكاثر به النبي ـ ص ـ يوم القيامة" وبذلك يكون للمرأة دور جديد غير المتعة فهي رحم كبير مسئول عن ولادة رجال بلا عدد، وفي ظني أن المفاخرة بكثرة الأبناء كانت وليدة النظام القبلي الذي كانت قبائله تفاخر بعضها بعضا بكثرة العدد، صحيح أن الإسلام حوّل العصبية من عصبية قبلية إلى عصبية للدين ولكن ذلك لم يكن يعني مخالفة القانون نفسه وهو قانون المفاخرة.

 

        ولأن العرب بعد الإسلام توسعوا في فهم "ما ملكت أيمانكم" فقد أمكن للخليفة المتوكل بالله أن يكون له من السراري سبعة آلاف قيل إنه وطأهن كلهن(!)، أما الرشيد فلم يكن له مثل حظ المتوكل فلم يحظ بغير ثلاثة آلاف فقط، بل إن سليمان النبي قيل إنه كان في قصره ألف امرأة لأنه قيل إن الله جعل فيه قوة بضع وأربعين رجلا، ولذا قيل في الحديث "أفضل ما في الأمة أكثرها نساء" كما لو أن المعنى "أفضل الرجال أكثرهم نساء" فالنساء مجال مفاخرة الرجال أمام الرجال لذا بالغ العرب في ذكر ما كان الرجل يفعله في يومه من مرات النكاح للدرجة التي قيل فيها إن أحدهم ابتنى مسجدا في بيته حتى لا يتأخر عن غشيان امرأته، كما قيل إن أحدهم كان يفطر من رمضان بغشيان امرأته وهكذا مما تمتلئ بها كتب التراث العربي.

 

        وعلى الجانب الآخر أمكن للمشرع في بداية الإسلام أن يقنن مثل هذا الانفتاح على التمتع بالنساء باعتبار النظرة إلى المرأة سهم من سهام الشيطان وبالتشدد في عدم الاختلاء بالمرأة لأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا وثالثهما الشيطان، ولكن مثل هذا التشدد لم يكن يخص إلا المرأة الحرة فحسب والتي كان المجتمع الإسلامي يحتفظ بها خلف حجاب في الوقت الذي كانت السرائر أو الإماء أو الجواري ممنوع عليهن تقليد الحرائر في تحجبهن واعتزالهن فهاته السرائر مباحات للرجال ذلك ببساطة لأن الرجل يمكنه شراء أي منهن في أي وقت. حتى هذه اللحظة ـ كما يبدو ـ لم يكن الخطاب الثقافي للعرب يعتقد في كون السرائر بشرا بدليل أن المشرع أباح للرجل أن يتزوج امرأة حرة على زوجة من الإماء بينما منعه إذا كان متزوجا من حرة أن يتزوج من أمة.

 

        يمكن القول إذا إن الخطاب الثقافي العربي كان يتعامل مع الحرائر باعتبارهن النساء وحدهن بينما كانت السرائر بعض متاع الرجال الذين هم البشر وحدهم، ولأن حتى المرأة الحرة كان الخطاب الثقافي يشدد على كونها مصدر شر ـ وإن كانت مصنعا لإنتاج الرجال ومضمارا لتأكيد الفحولة ـ فإن ذلك كان يعني أن النساء ـ كلهن ـ لم يكنَّ بشرا بل جواري يستخدمهن الرجال فيما أرادوا سواء للمتعة أم للولادة أو غيره، وهكذا كان الرجال يفتتحون لياليهم وغزواتهم وفتوحاتهم وقصائدهم وطرفهم ونوادرهم بالعبارة التقليدية "اليوم خمر ونساء"، وهذا طبعا لم يكن بسبب الدين الإسلامي فالإسلام بريء من ذلك، ولكن بسبب الخطاب الثقافي العربي الذي طبع الدين ولونه ليناسب الطبيعة العربية التي لم يهذبها الإسلام تمام التهذيب.

 

        الغريب أن الخطاب الثقافي للعرب اليوم لم يتجاوز جاهليته إذا جاز التعبير، ما تزال المرأة متاع للرجل ومضمار لتأكيد فحولته ورحم لإنجاب أبنائه الذكور ولذا تبدو أي أنثى عابرة في الشارع كما لو كانت فريسة محتملة للذكور بينما الزوجات الحرائر معتزلات في البيوت ولذا أمكن للرجال إعادة إنتاج الخطابات القديمة التي جاء بها مثلا "أربع لا يشبعن من أربع، أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر" وهي خطابات تحافظ للرجل على مكانته وتمايزه كرجل مقصية المرأة إلى درجة أدنى باعتبارها "مضاف إلى" الرجل وليست شريكة له، ولذا يمكن القول إنه لو كان التاريخ قد كتب بيد امرأة لا بيد رجل لكان من المحتمل أن تفتتح النساء لياليهن قائلات "اليوم خمر ورجال"!.

التحرش بالمجتمع

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=35173&Itemid=41


        شهود واقعة التحرش الجنسى الجماعى التى حدثت ثانى أيام العيد قالوا إنها بدأت بكلمة ألقاها المتهم الأول فى القضية حين شاهد اثنان من الفتيات وهن يعبرن الشارع، حيث صرخ قائلا "غنيمة"، وكما لو كانت كلمة غنيمة هى كلمة السر، اندفع هو ومن معه نحوهن ثم شاركهم عدد من الشباب الذين كانت تزدحم بهم شوارع المهندسين تلك الليلة. الشاب الذى صرخ بكلمة السر ورفاقه جاءوا من منطقة ناهيا، وحسب التحقيقات فإنهم قد عبروا من ناهيا إلى المهندسين للاحتفال بالعيد. وبالنسبة لأهالى ناهيا وغيرها من المناطق الفقيرة التى تناستها الحكومة أو التى لم تردها فى خرائط تنميتها أو التى لم تعمل حسابها فى معدلات التنمية التى يعلن عنها وزراء البدل والكرافتات، بالنسبة لأهالى هذه المناطق فإن "الغنيمة" تعنى المجتمع ككل، ففى خضم الاحتفال الكرنفالى بالعيد فإن الأولاد المرتدين ملابسهم الجديدة النظيفة.. غنيمة، وأبناء جيلهم الذين يركبون سيارات فارهة أو غير فارهة.. غنيمة، ومحلات الأكل ذات الطراز الأمريكى.. غنيمة، والأولاد الذين يصطحبون البنات لكافيتريات المهندسين.. غنيمة، والشباب والشابات الذين يزينون كلامهم بكلمات إنجليزية ويضحكون ضحكات مطمئنة.. غنيمة.

 

        ما أعنيه أن حادث التحرش الجنسى لم يكن إلا مفردة فى قاموس التحرش الأكبر الذى سوف يلتهم الجميع قريبا، إن هؤلاء الذين لا تخصهم عبارة الفكر الجديد "مصر بتتقدم بينا"، وهؤلاء الذين لا يعنيهم أى من رجال الحكومة حين يقولون "الشعب المصري"، وهؤلاء الذين حرمتهم سياسات المجموعة الاقتصادية من الحياة الإنسانية، كان من المؤكد أنهم سوف يندفعون لالتهام الغنيمة حتى ولو لم تكن تلك الغنيمة فتاة عابرة، كان من المحتمل أن تكون حقيبة ملقاة فى عرض الشارع وممتلئة بالمال أو محل ملابس يتم السطو عليه من بعض المسجلين خطر أو غيرها غنيمة لهؤلاء الذين لم يشعروا بقوتهم إلا فى لحظة اجتماعهم ككتلة من المحرومين فى مواجهة المجتمع، فإذا كانت فتاة عابرة بمفردها أو بصحبة فتى جميل قد تحولت إلى غنيمة رمزية لما تم حرمانهم منه فإن المجتمع نفسه سوف يتحول فى لحظة ما إلى غنيمة ليست محرمة لهؤلاء حين يشعرون أنهم صاروا كتلة قوية قادرة على اقتحام المجتمع.

 

        لا أعنى طبعا إلقاء اللوم على هؤلاء الفقراء كما لو أن الأغنياء أو الميسورين أبرياء بالفطرة، ولكن ما أعنيه هو ضرورة النظر إلى الحدث فى ضوء رمزيته الاجتماعية وليس فى دلالته المباشرة. مقتل سوزان تميم مثال على ذلك، فقد أمكن رؤيته فى ضوء رمزيته باعتباره علامة على تلاحم السلطة برأس المال وليس فى إطاره القانونى المباشر كجريمة قتل، فإذا كان من البديهى أنه ليست كل جريمة قتل جريمة قتل، فإنه من البديهى أيضا أنه ليس كل تحرش جنسى تحرش جنسي. الواقعة هي واقعة تحرش بالمجتمع، تحدث فى أماكن تجمعات الشباب نعم، ولكنها تحدث فى أماكن تجمعات الشباب القادمين من خلفيات اجتماعية مشابهة.

 

        دليلى على ذلك أن أى ممن يساوونهم عمريا ويختلفون عنهم اجتماعيا لم يكن ليشترك فى هذا الفعل، فإن أى من الشباب الذين يصطحبون فتياتهم لن يعتبر فتاة عابرة غنيمة أبدا، أى من الشباب العابرين فى طريقهم لملاقاة حبيباتهم أو صديقاتهم أو زميلاتهم لم يكن ليشارك الكتلة المندفعة نحو هدفها. قد يكون من البديهى طبعا التفكير فى الطريقة التى صار المجتمع المصرى فى عمومه ينظر بها نحو المرأة، وفى توحش الفكر المتعالى تجاهها، ولكن النظر إلى الفعل الجماعى (التحرش الجماعى كمثال) يستلزم تفكيرا اجتماعيا فى هذه الحالة، وهنا نحن لسنا بصدد كتلة مختلطة من عموم المصريين، ولكننا بصدد كتلة منسجمة من سكان المناطق الفقيرة، المناطق التى لا تعرف عنها لجنة السياسات سوى أنها أورام يجب التخلص منها، أو التنكر لها لبقاء صورة مصر الملونة كما تظهر فى إعلانات الحكومة كموديل فى الكليبات الصاخبة.

 

        فى لقاء تلفزيونى جمع أم كل من المتهميْن الأول والثانى فى حادث التحرش الجماعى قالت إحداهما إن ابنها يعمل فى محل لبيع الأدوات المنزلية، من الثامنة صباحا وحتى الثامنة مساء، وذلك ليتقاضى نهاية كل شهر مبلغ وقدره أربعمائة وخمسين جنيها مصريا لا غير، أى أن أجره عن اليوم الواحد خمسة عشر جنيها، ورغم أنهما ـ هى وابنها على الأقل ـ بلا عائل فإنها أكدت أن ابنها "بيحوش عشان يتجوز" كما أكدت أيضا أنه "مُعجب" بإحدى جاراته، ما لم تقله الأم إن ابنها مضطر لأن يتوقف عن العيش (أكلا وشربا وعلاجا) لمدة لا تقل عن عشر سنوات على الأقل كى يتمكن من الزواج من جارته التى من المحتمل جدا أن تتزوج خلال هذه السنوات العشر من رجل عربى ليعبر بها البحر لعام أو لعامين ثم يعيدها إلى أهلها بصحبة عدد من "الغوايش" التى نجحت فى امتلاكها، أو فى أفضل الحالات سوف تتزوج من صاحب المحل أو مشغل التريكو الذى تعمل به (عُرفيا) حتى تضمن بقائها حية لفترة أطول.

 

        سوف يعتبر كثير من قراء هذا المقال أنى أسرد وقائع فيلم من الأفلام المصرية الميلودرامية، ولكن إن لم نعترف أن واقعنا أصبح أكثر ميلودرامية من أفلام حسن الإمام، فسوف نكون أكثر تغفيلا من حكومتنا الموقرة التى لا ترى أن التحرش بالمجتمع قادم.. قادم!

اجلدوا نهى رشدي

 

        فكرت في أن مقالا عن نهى رشدي، بطلة قضية التحرش، لن يكون له معنى طالما أن الجميع يستعد للاحتفال بالنصر، أو بنهى، أو بالاثنين معا، ولكن تجدد دراما القصة بعد ادعاءات إحدى المحاميات بأن نهى إسرائيلية الجنسية، الأمر الذي حوَّل موقف الناس في الشارع المصري لينصب تعاطفهم على الجاني بدلا من الضحية، كان أكثر من مفزع بالنسبة لي. والحقيقة أني لا أكاد أفهم هذا الموقف إلى في ضوء حدث شبيه، وهو تعاطف الناس مع قضية الطبيب المصري الذي تم جلده في السعودية مؤخرا، في القضية التي شغلت الرأي العام لفترة. طبعا دفاع المصريين عن الطبيب المصري أمر مفهوم تماما، ولكن لا يساويه أبدا الدفاع عن المتحرش بنهى لمجرد أنه مصري وأنها ـ حسب الشائعة السخيفة ـ إسرائيلية، وكأن التحرش في مصر شأن داخلي لا يحق للأجانب ـ وخصوصا الأعداء ـ التدخل فيه، ومن ثم تحرش مصري بإسرائيلية ـ وفقا لطريقة التفكير المصرية ـ ليس خطئا، ولا يستأهل عقابا.

 

        اللافت في النظر في القضيتين هو توجه الرأي العام نحو استبعاد الشق القانوني تماما في حين أن الشق القانوني في الدعاوى القانونية أولى بأن يكون المؤسس الحقيقي للرأي العام، لقد تم تجاهل تفاصيل الاتهام الذي وجه للطبيب المصري والإبقاء على الصورة الميلودرامية لمصري يتم جلده في الخارج، وعلى النحو نفسه تم أيضا تجاهل تفاصيل قضية التحرش بنهى لصالح الصورة الأكثر ميلودرامية لواحدة من الأعداء الصهاينة تتسبب في حبس مصري ثلاث سنوات. وفي رأيي أن تجاهل الشق القانوني ـ في الحالتين ـ يعكس الطريقة التي بات المصريون ينظرون بها للأمور، وهي في رأيي نظرة يشوبها التناقض من جهة، لأن الدفاع عن المتهم (الطبيب المصري) في السعودية قابله هنا الدفاع عن المدعية (نهى باعتبارها إسرائيلية)، ومن جهة أخرى يشوبها غياب المعيار الحقيقي للحكم على الأمور واستبدال معيار العدالة كقيمة بمعيار العصبية للجنس أو العصبية الأممية.

 

        ما أقصده أن المصريين ينظرون لأمورهم بمنطق العصبية، ولذلك فإنهم يتشددون جدا في عدائهم مثلا لإسرائيل بسبب عصبيتهم في الوقت الذي يمكنهم فيه التضحية بسلامهم الداخلي بالاستمرار في الطائفية الدينية، ولذلك تظل كراهيتهم لإسرائيل مبالغ في حدتها لأنها غير مشفوعة بفعل، أي أنها كراهية معلنة فحسب دون ترجمتها لفعل من أي نوع، بدليل فشل كل دعوات المقاطعة مثلا، كما أن كراهية المصريين بعضهم البعض تصبح بلا مسوغ حقيقي لأن عصبيتهم للجنس تنفيها، أو من المفترض لها أن تنفيها.

 

        في حالة الطبيب المصري كان مفهوما جدا الدفاع عنه باعتباره مصريا، ولو أن تجاهل الشق القانوني قد أزعجني، ربما بسبب توحش طريقة العقاب التي ينتهجها القانون السعودي، ولكن ما أزعجني أكثر كان تجاهل الشق القانوني في قضية نهى رشدي، لأن الوقوف في صف المجرم كان يعني أننا لا نفكر في العدالة قدر ما نفكر في عصبيتنا، فماذا لو أن نهى إسرائيلية فعلا، وماذا لو أنها يهودية، فهل نمنعها حقها في العدالة لمجرد أنها لا تنتمي إلينا، وهل كونها إسرائيلية يجعل منها امرأة مباحة في عرضها ومالها، وماذا لو أن الطبيب الذي حوكم بالجلد 1500 جلدة ليس مصريا، أما كان يستحق منا التعاطف معه، والدفاع عنه ضد التطبيق غير الإنساني للقانون؟ هل كنا نرسل خطاب شكر للسلطات السعودية لو أن من جلدته كان أمريكيا أو إسرائيليا أو دانمركيا.

 

        أما موقف المحامية نفسها فهو موقف يكاد يفهم في إطار عصبية المصريين، فبغض النظر عن دوافعها، كرغبتها المؤكدة في الظهور الإعلامي، أو رغبتها في التهام الكعكة وحدها، أو تجنيد القضية لصالح الجمعية النسائية التي ترأسها، أو غيره، فإن تحولها من الدفاع عن نهى للدفاع عن المتحرش بها، كما جاء في كلامها، لم يكن بسبب اكتشافها براءة المتهم (لا سمح الله) ولكن بسبب اكتشافها "جنسية" المدعية، كما لو أن القانون الذي تعلمته مجرد إجراءات شكلية الهدف منها القبض على الأتعاب بعد نصرة "ابن عمي على الغريب"، دون النظر إلى عدالة موقف المجني عليه من الجاني أو موقف المدعي من المدعي عليه بمصطلحات القانون. والحقيقة أن المحامية لم يكن موقفها غريبا ـ بقدر ما هو مفزع ـ بدليل أن كثير من المصريين انساقوا خلفها وقرروا فجأة تجاهل أن ثمة شخص قد تحرش بفتاة عابرة لمجرد أن تلك الفتاة العابرة ليست مننا ولا علينا. وهو ما يعكس قدرة المحامية نفسها على فهم طبيعة الرأي العام في مصر من جهة، فضلا عن ضحالة الرأي العام وعصبيته من جهة ثانية، لأنه إذا كان من المفترض أن القانون هو انعكاس لعقلية أي شعب فإن الطريقة التي ينظر بها الشعب للقانون هي أيضا انعكاسا لعقليته، فإذا كانت هذه هي نظرة المحامية والناس في قضية كهذه فإن العقلية الحاكمة تصبح مفهومة لنا ومؤكدة في نظرتها العصبية وغير العقلانية.

 

        المصريون الذين يدافعون عن الطبيب المصري لأن السعوديين قد جلدوه، والذين يطالبون طوال الوقت بأن تحترمهم سلطات الدول التي يرحلون إليها عليهم هم أيضا أن يحترموا مواطني الدول الأخرى، وأبلغ آيات الاحترام في رأيي هي تطبيق القانون، فإذا كان علينا الدفاع عن مواطننا في السعودية فعلينا أيضا أن ندافع عن نهى حتى ولو كانت إسرائيلية، لأن قرار جلد نهى على الهوية معناه قبول جلدنا في كل مكان نكون فيه لأننا سوف نجلد على الهوية، فهذا على الأقل هو العدل.. فهل تجلدوا نهى رشدي؟

سعودة مصر



لدي المصريين شعور طيب تجاه السعودية منبعه وجود الأراضي المقدسة ضمن حدودها، ولكنهم يخلطون في ذلك بين السعودية كدولة والسعودية كأرض للميعاد، لأنه كما أن الحرم الحسيني لا علاقة له بميدان الحسين، أكثر ميادين مصر ازدحاما وتلوثا وامتلاء بالنشالين، كذلك فإن مصادفة أن الحرمين ـ المكي والنبوي ـ يقعان ضمن حدود الدولة السعودية لا يعني أبدا أن تكون ـ كدولة ـ المسئولة عن الدين الإسلامي ومصدر تفسيره وصاحبة تأويله ـ حصريا ـ في البلدان التي يؤمن سكانها بالإسلام.
وكما يخلط المصريون المسلمون بين السعودية كدولة والسعودية أرض الميعاد يخلطون كذلك بين الإسلام وبين الإسلام السعودي الذي يعرف بالوهابية، ولذا فإنهم يميلون أكثر للتعامل مع صورة الإسلام التي تقدمها السعودية باعتبارها الصورة الحقيقية للإسلام، وطبعا ساعدهم في ذلك أمران: الأول انكسار حلم الدولة العصرية الذي كتبت نهايته الحقبة الناصرية بهزيمة يونيو المروعة وخروج مصر من حسابات القضايا الوطنية والقومية بعد التعاقد مع العدو الصهيوني علي غض الطرف مقابل سيناء، والثاني انتعاش السعودية اقتصاديا فيما بعد أكتوبر 73 مما دشن لحقبة أسماها البعض ـ ولهم كثير حق ـ بحقبة النفط.
ما أعنيه أن الصعود السياسي والاقتصادي للسعودية الذي واكب تراجع مصر سياسيا واقتصاديا، وهو ما تم ترجمته بالطبع إلي التراجع الثقافي المزري، كان له دور في تشكيل خارطة المنطقة وفق التصورات السعودية ـ كدولة سياسية ـ للدين، باعتبار أن الأخير كان محور المشاريع التي اضطر المصريون لتلقي صياغتها وتبنيها نتيجة الاكتئاب الحاد الذي بدأ منذ النكسة وحتي الآن. لماكس فيبر جملة رائعة يقول فيها "وظيفة الدين للشرائح المتميزة هي إضفاء الشرعية وللآخرين الخلاص" وذلك في سياق السؤال عن سبب انتشار الديانات التي يبشر أنبياؤها بالخلاص بين الشرائح الاجتماعية الأقل حظوة. وهي جملة يمكن استدعاؤها هنا لأن الدين ـ عند هذه اللحظة المفصلية من تاريخ مصر والعالم العربي ـ تم استغلاله أيديولوجيا، لتحقيق تمايز ثقافي واقتصادي لدول النفط جميعا، التي كان لابد لها من غطاء شرعي للثراء المفاجئ الذي جلبه النفط. كان عليها إذن أن تجعل من ثروتها ثروة مشروعة وليس أفضل من القول إنها منحة إلهية مستحقة لالتزامها بالدين الذي فرطت فيه مصر الاشتراكية زمن عبد الناصر، ولأن السعودية كانت في وضع أفضل بالتأكيد لوقوع الأماكن المقدسة الإسلامية ضمن حدودها أمكن صياغة هذه الشرعية المؤسسة للدولة الملكية النفطية الجديدة في السعودية وليس في مكان آخر.
ولأن المصريين بخاصة كانوا قد فقدوا الثقة في وعود الناصرية أولا، ثم وعود النصر التي ذابت في كامب ديفيد ثانيا، كان عليهم أن يتلقوا صياغات دينهم التي كتبت في مكان آخر طواعية. وكان عليهم أيضا قبول الوهابية كنموذج أمثل للإسلام، مستبعدين إسهامات مصر في صياغة ونمو الإسلام عبر عصوره، ومتجاهلين الروافد المصرية للدين الإسلامي، كما لو كان عليهم تلقي الدعوة مرة أخري ومن البداية. والحقيقة أن الإسلام المصري الذي كان لوقت قريب ـ كما كان يقال عنه ـ سني المذهب شيعي الهوي، في إشارة لوسطية مصر بين السنة والشيعة، مال طوال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات لا نحو السنة ولا نحو الشيعة ولكن نحو الوهابية، التي وإن كانت في أصولها التاريخية لمؤسسها محمد بن عبد الوهاب مذهبا سنيا بالأساس، فإنها قد تطرفت عن السنة الحقيقية كمذهب ظهر أساسا ـ وقت الفتنة الكبري في القرن الأول الهجري ـ ليكون أصحابه بعيدين عن حسابات الصراع الديني الأيديولوجي.
والحقيقة أنه كما أن الفرق المتنازعة وقت الفتنة الكبري كانت تسعي للبحث عن غطاء شرعي وأخلاقي يحمي أفعالها ويبررها فإن السعودية ـ كدولة نفطية ومسئولة عن الحجيج في الوقت نفسه ـ تمسكت بصياغتها الوهابية للدين الإسلامي كغطاء أخلاقي يمنحها شرعية وجودها، كمملكة وسط الدول التي انفجرت بها الثورات التحررية سواء سياسيا ضد الاحتلال أو الملكية أو ثقافيا ضد الجهل والتعصب، ولذلك فإنه في رأيي أن ما بين مصر والسعودية ليس فقط ثأرا مبيتا بسبب الحملة التأديبية لإبراهيم بك أو بسبب تحول مصر إلي نموذج للتحرر في العالم العربي إبان الناصرية، ولكن أيضا بسبب الخطوات التي اتخذتها مصر في طريق الدولة العصرية بداية من عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لولا انكسار مصر في يونيو. ما بين مصر والسعودية ثأر حضاري بالأساس وإن كان غير معلن.
علي المصريين أن يفهموا أن الدين الإسلامي ما كان له أن يستمر طوال الأربعة عشر قرنا لولا تفاعله الحضاري مع التاريخ، وهو التفاعل الذي كان من علاماته الأصيلة والحافزة مساهمة مصر الثقافية بداية من تحول مصر للإسلام، ونتيجة لامتزاج الإسلام بتدين مصر الفطري الذي يسبق الديانات الثلاث نفسها، وأن تحول مصر بتاريخها إلي الوهابية لا يشكل خطورة علي مصر فحسب، بل يشكل خطورة أكبر علي الإسلام نفسه، لأن سعودة مصر تعني قبل كل شيء إيقاف تفاعل الإسلام نفسه مع التاريخ. وفي ظني أن مصر ـ التي تبدو كما لو كانت قد تسعودت بالفعل ـ سرعان ما ستنفض عن نفسها عبء الاستسلام لصياغات الآخرين، وستبدأ مجددا في صياغة مستقبلها الديني والثقافي والسياسي، لأنه في ظني أن تدين مصر الأصيل سوف تكون له الغلبة في النهاية، وليس من رهان إلا علي التاريخ الحضاري فحسب