09 September 2009

تديين الحياة.. مفسدة لكليهما

منتخب مصر "الصائم" في مواجهة مصيرية أمام رواندا "المفطرة".. هكذا جاء العنوان الرئيس في صفحة الرياضة بجريدة المصري اليوم. لشخص عابر اعتاد أن يقرأ العناوين بعجالة قد يرد لذهنه أن معركة مصيرية بين مصر ورواندا صبيحة هذا اليوم، وأن المعركة لاشك دينية، ذلك أن العنوان يشطر العالم إلى شطر صائم (أي متدين) وشطر فاطر (أي غير متدين ـ كافر). أما بالنسبة لشخص يبحث عن أخبار جديدة حول المنتخب ومباراته الموشكة فسوف يسأل إذا ما كان الفريق قد تجاهل الفتوى التي منحته رخصة الإفطار في رمضان بسبب المباراة وإذا ما كان للقديس أبو تريكة ـ الذي نُشر فور وصوله أرض رواندا خبر تبرعه لبناء مسجد ـ دخل في التأثير على زملائه وإقناعهم بعدم الالتزام بالفتوى. أما بالنسبة لشخص لا يعرف عن رواندا أكثر من أنها الدولة التي سوف يلتقي منتخبنا الوطني بمنتخبها الوطني فربما يسأل بينه وبين نفسه إذا ما كان وصفها ـ في العنوان ـ بأنها فاطرة إشارة لكونها دولة غير مسلمة أم إشارة لفتوى مثيلة تلقاها لاعبوها من مفتيهم الذي لم يشأ أن يكون أقل وطنيه من نظيره المصري. وبالنسبة لشخص يعرف أن أربعة في المائة فحسب من سكانها مسلمون فسوف تصله الإشارة كاملة: مواجهة مصيرية بين فريق مؤمن وفريق كافر، وفي مثل هذه المعارك النصرة دائما للمؤمنين!

ولكن؛ بالنسبة لشخص عاش عمره على ثقة في أن تديين الحياة مفسدة لكليهما.. الدين والحياة.. فسوف يستفزه ما في العنوان من تجذير للخطاب الثقافي العام في مصر والذي أصبح يستند على أرضية دينية إسلامية أصولية تقسم العالم إلى فئتين لا ثالث لهما، فإما مسلمين مستنسخين، نسخ مكرورة في الفكر والهيئة والشعور، وإما فئة ضالة لم تهتد بعد. يتشارك في الأخيرة المسلمون المخالفون في فهمهم للإسلام (حتى وإن صلوا وإن صاموا، كالشيعة والمعتدلين) والمخالفون في العقيدة وغير المعتقدين في أي شيء أيضا. كما لو أن على الجميع الإيمان بالرب نفسه وبالطريقة نفسها، رغبة أو رهبة أو ـ إن شئت ـ إرهابا.

تحتفظ ذاكرتي من كل ركام الكلمات التي تلقيتها طفلا وشابا في مساجد شتى بجملة قالها شيخ كان يحفظنا القرآن في طفولتي، قال لنا إننا يمكننا أن نتكسب عددا وفيرا من الحسنات بينما نأكل طعامنا، فقط إذا ما أكلنا وفي ضميرنا أننا نفعل ذلك للبقاء أحياء كمؤمنين صالحين لاستكمال مسيرتنا السامية في جعل العالم الذي نعيشه أكثر جمالا وعدلا. ما كان يعني أن مسألة الإيمان أولا تعتمد على الشخص نفسه، وأنها ثانيا علاقة شخصية ومباشرة بالله وليس لشخص آخر أن يكون حكما عليها. بعدها بسنوات فهمت كيف يمكن أن يكون "تبسمك في وجه أخيك صدقة". بعدها بسنوات أكثر فهمت كيف أنه لا يمكن عزل الإيمان عن الحياة. أن أكف الناس شري وخداعي وكذبي لأن الله راهن علينا ـ كبشر ـ في فعل ذلك. "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لم يقولوا أتجعل فيها من لا يُقيم صلاة ولا يدفع زكاة ولا يفرض تدينه على الآخرين، قال "إني أعلم ما لا تعلمون".. راهن الله على قدرة البشر على إحلال السلام والعدل والخير والحب في عالم يبوء بالحيوانية.

فهمت كل ذلك حين لم يكن العالم قد تحول بعد لتديين الحياة، كان الدين يسري في الحياة ببساطة، ببساطة ابتسامة ترتسم على وجهك بينما تقول لأحدهم "صباح الخير" فتزرع في وجهه بساتين رضا وسعادة بينما يعيدها إليك بأحسن منها "صباح الفل"، بينما يفكر كل منكما في أن تبسمه في وجه أخيه صدقة.

الآن لن يمكن لأحدهم الكلام عن هذه البساطة المنتشية كحقول خضراء بامتداد البصر. بعد أن جدبت الحقول اللينة. الآن لن يمكن التفكير إلا في تديين الحياة، في لوي ذراعها كي تؤمن، في تخييرها بين الإيمان وبين إقامة الحد. الفارق بين العالمين، بين دين يسري في القلوب ويورّد الخدود وبين دين يحجب العالم ويعزله كبير بحجم مأساة. كان يكفي في زمن البراءة أن تبتسم في وجه أخيك، الآن عليك أن تشيح بوجهك عنه لأنه لا يحضر معك درس العصر، وأن تزلزله بنظرة لأنه قابلك بابتسامة موقعة بـ "صباح الخير" وليس "السلام عليكم"، عبارة السلام المعتمدة من عمداء تديين الحياة، وأن ترفض الانصياع له إذا ما طلب منك مشاركته الشكوى من فوضى الآذان، وأن تلغيه من حياتك تماما لأنه يقبل لزوجته أن تذهب لعملها بلا حجاب.

في زمن تبسمك في وجه أخيك صدقة كان على كل منا اكتشاف إلهه بنفسه، بعضنا التقاه في المسجد بينما كان يتلمس طريقه لحفظ قصارى السور، وأغلبنا التقيناه في أماكن أخرى. أنا شخصيا تعرفت عليه في مداومة التفكير في سلاسل التدبيرات الصدفوية التي لا تُفهم في حينها. أسلم صديق بعد أن سمع القرآن بصوت المنشاوي فاكتشف ـ على حد قوله ـ أن القرآن جميل وليس قاسيا كما سمعه في أماكن عديدة. كان على كل منا أيضا تعاطي الدين كممارسة.. كتجربة.. نجلس وأصدقائي لنأكل دون أن يشغلنا التأكد مما إذا كان من يجاورنا يأكل طعامه لذاته أم لاستكمال مسيرته المقدسة لجعل العالم أكثر جمالا وعدلا. لن أدعي أننا كنا نجلس دون سابق معرفة بما يحمله كل منا من عقيدة، ولكن على الأقل كنا نجلس دون أن ننشغل بما يمكن أن يعنيه ذلك. لم يكن العالم قد تقسّم بعد. لم يكن العالم قد تقسم بعد بين فريقين فريق المؤمنين وفريق الكافرين.

الذين ينشغلون كثيرا بمثل هذا التقسيم يتجاهلون أنه من المستحيل تبني فكرة التقسيم أصلا لأنها عبث. في زحام الفرق هذا.. شيعة وسنة وكاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ويهود صهاينة ويهود توراتيين ومؤمنين غير مشغولين بالرسالات وملحدين، ناهيك عن الزرادشت والبوذيين.. كيف يمكن لأحدهم أن يعتقد أنه صاحب الحقيقة الوحيدة. إذا كان تصورنا عن الله ـ الذي نبرر به كل أحقادنا وتعصباتنا الدينية ـ غير متطابق حتى داخل الملة الواحدة، هل يمكن الجزم بأن مجموع المصلين في صلاة العشاء القادمة في مسجد الحي يتوافقون في تصورهم عن الله، تصورهم عن الجنة، عن النبي محمد. هل يتفقون جميعا على صورة الرب المنتقم الجبار أم على صورة الرب العفو الغفور، هل يؤمنون جميعا بأنهم سوف يحرقون في قبورهم وسوف يدكون بمطارق من حديد لسابع أرض، أم يؤمنون بأنهم سوف يصعدون إلى السماء ومن ثم فلا حاجة لتقطيع أوصال أجسادهم. إذا كان اثنان منهما متجاورين في الصلاة لا يؤمنان بالدرجة نفسها ولا على النحو نفسه ومع هذا يتشاركان الصلاة، فماذا عن ملايين البشر خارج الجدران الأربعة للمسجد؟!

يتشاركان الصلاة، رغم كل شيء، لأنهما؛ بينما يسويان الصف ويسدان الفرج تكون روح كل منهما في معية الله، بالشكل الذي يليق بروح كل منهما، دون أن تكون لأحدهما وصاية على من يجاوره. ولنتخيل حوارا عابرا بينهما قبل الصلاة، إذا ما قررا الاتفاق أولا بشأن إيمانهما قبل المضي قدما في الصلاة، إذا ما اختلفا، إذا ما قرر أحدهما أن الآخر ليس مؤمنا بالقدر الكاف، أو أنه لا يصلح كشريك في صلاة لأنه ينكر مثلا أن السواك من السنة المؤكدة، أو أنه سوف يفسد صلاته لأنه لم يلتزم في وضوئه بالترتيب المناسب ولم يقتنع أن عليه أن يضع كفيه مائلا جهة اليسار. كيف سيمضيان في حياتهما بعد حوار كهذا إذا ما وجدا في أنفسهما طاقة كبيرة على التمسك بما يعتقدانه، بما يظنانه الصواب الوحيد، الحقيقة الكاملة.

تديين الحياة مفسدة لكليهما، للدين وللحياة، لأننا لن نتفق أبدا على إيماننا، ولكن قد نتفق على الوقوف صفا واحدا في مسجد، في ممر بمصلحة حكومية، في إشارة مرور، في نفق، أو فوق جسر، في طابور للعيش، في طريق معبد بتطلعاتنا للمستقبل، إن أردنا أن يكون لمستقبلنا رائحة العدل، لا رائحة الحرب الدينية.

No comments:

Post a Comment