16 December 2008

اليوم خمر ورجال!

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=32159&Itemid=41

        في الأفلام التي كانت تؤرخ لبداية الدعوة الإسلامية كانت ليالي الكفار الماجنة كثيرا ما تفتتح بجملة كهذه "اليوم خمر ونساء" وهي جملة كانت تتفق كثيرا مع الطبيعة العربية وخطابها الثقافي، فالجملة تتضمن أن النساء كالخمر سواء بسواء، متعة للرجال الذين هم في هذه اللحظة: البشرية كلها، ذلك أن الصراع في الفيلم لن يكون إلا بين الرجال والرجال، وسوف تظل الخمر والنساء جائزتا الانتصار.. على الأقل في صفوف الكفار.

 

        وجاء في الأثر مما نُسب إلى رسول الله خطأ أنه قال "لولا النساء لعبد الله حق العبادة" وهي عبارة تتضمن أولا أن الرجال هم البشر فحسب وهم المنوط بهم عبادة الله بينما النساء هن متاع الدنيا الذي يلهي البشر (الرجال) عن العبادة، ومع هذا أفرط العرب قبل الإسلام وبعده في الالتذاذ بالنساء حيث قيل مثلا أن علي بن أبي طالب كان لديه غير زوجاته الأربع خمسة عشر سرية، ولذا جاء في الأثر التشجيع على النكاح للحد الذي يقول فيه عمر بن الخطاب "إني لأتزوج المرأة وما لي بها حاجة وأطؤها وما لي بها من شهوة قيل وما يحملك على ذلك يا أمير المؤمنين قال أحب أن يخرج مني من يكاثر به النبي ـ ص ـ يوم القيامة" وبذلك يكون للمرأة دور جديد غير المتعة فهي رحم كبير مسئول عن ولادة رجال بلا عدد، وفي ظني أن المفاخرة بكثرة الأبناء كانت وليدة النظام القبلي الذي كانت قبائله تفاخر بعضها بعضا بكثرة العدد، صحيح أن الإسلام حوّل العصبية من عصبية قبلية إلى عصبية للدين ولكن ذلك لم يكن يعني مخالفة القانون نفسه وهو قانون المفاخرة.

 

        ولأن العرب بعد الإسلام توسعوا في فهم "ما ملكت أيمانكم" فقد أمكن للخليفة المتوكل بالله أن يكون له من السراري سبعة آلاف قيل إنه وطأهن كلهن(!)، أما الرشيد فلم يكن له مثل حظ المتوكل فلم يحظ بغير ثلاثة آلاف فقط، بل إن سليمان النبي قيل إنه كان في قصره ألف امرأة لأنه قيل إن الله جعل فيه قوة بضع وأربعين رجلا، ولذا قيل في الحديث "أفضل ما في الأمة أكثرها نساء" كما لو أن المعنى "أفضل الرجال أكثرهم نساء" فالنساء مجال مفاخرة الرجال أمام الرجال لذا بالغ العرب في ذكر ما كان الرجل يفعله في يومه من مرات النكاح للدرجة التي قيل فيها إن أحدهم ابتنى مسجدا في بيته حتى لا يتأخر عن غشيان امرأته، كما قيل إن أحدهم كان يفطر من رمضان بغشيان امرأته وهكذا مما تمتلئ بها كتب التراث العربي.

 

        وعلى الجانب الآخر أمكن للمشرع في بداية الإسلام أن يقنن مثل هذا الانفتاح على التمتع بالنساء باعتبار النظرة إلى المرأة سهم من سهام الشيطان وبالتشدد في عدم الاختلاء بالمرأة لأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا وثالثهما الشيطان، ولكن مثل هذا التشدد لم يكن يخص إلا المرأة الحرة فحسب والتي كان المجتمع الإسلامي يحتفظ بها خلف حجاب في الوقت الذي كانت السرائر أو الإماء أو الجواري ممنوع عليهن تقليد الحرائر في تحجبهن واعتزالهن فهاته السرائر مباحات للرجال ذلك ببساطة لأن الرجل يمكنه شراء أي منهن في أي وقت. حتى هذه اللحظة ـ كما يبدو ـ لم يكن الخطاب الثقافي للعرب يعتقد في كون السرائر بشرا بدليل أن المشرع أباح للرجل أن يتزوج امرأة حرة على زوجة من الإماء بينما منعه إذا كان متزوجا من حرة أن يتزوج من أمة.

 

        يمكن القول إذا إن الخطاب الثقافي العربي كان يتعامل مع الحرائر باعتبارهن النساء وحدهن بينما كانت السرائر بعض متاع الرجال الذين هم البشر وحدهم، ولأن حتى المرأة الحرة كان الخطاب الثقافي يشدد على كونها مصدر شر ـ وإن كانت مصنعا لإنتاج الرجال ومضمارا لتأكيد الفحولة ـ فإن ذلك كان يعني أن النساء ـ كلهن ـ لم يكنَّ بشرا بل جواري يستخدمهن الرجال فيما أرادوا سواء للمتعة أم للولادة أو غيره، وهكذا كان الرجال يفتتحون لياليهم وغزواتهم وفتوحاتهم وقصائدهم وطرفهم ونوادرهم بالعبارة التقليدية "اليوم خمر ونساء"، وهذا طبعا لم يكن بسبب الدين الإسلامي فالإسلام بريء من ذلك، ولكن بسبب الخطاب الثقافي العربي الذي طبع الدين ولونه ليناسب الطبيعة العربية التي لم يهذبها الإسلام تمام التهذيب.

 

        الغريب أن الخطاب الثقافي للعرب اليوم لم يتجاوز جاهليته إذا جاز التعبير، ما تزال المرأة متاع للرجل ومضمار لتأكيد فحولته ورحم لإنجاب أبنائه الذكور ولذا تبدو أي أنثى عابرة في الشارع كما لو كانت فريسة محتملة للذكور بينما الزوجات الحرائر معتزلات في البيوت ولذا أمكن للرجال إعادة إنتاج الخطابات القديمة التي جاء بها مثلا "أربع لا يشبعن من أربع، أنثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر" وهي خطابات تحافظ للرجل على مكانته وتمايزه كرجل مقصية المرأة إلى درجة أدنى باعتبارها "مضاف إلى" الرجل وليست شريكة له، ولذا يمكن القول إنه لو كان التاريخ قد كتب بيد امرأة لا بيد رجل لكان من المحتمل أن تفتتح النساء لياليهن قائلات "اليوم خمر ورجال"!.

No comments:

Post a Comment