في بريطانيا تم إيقاف إحدى الممرضات لأنها عرضت على أحد مرضاها أن تصلي من أجله. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك قبل أن يعرف أن مبررات الحكومة الإنجليزية ومجلس شيوخها في معارضة مناقشة الأمور الروحية في دور الرعاية الصحية تتلخص في التالي: أولا يُعد هذا الأمر تعديا على الحرية الشخصية للمريض، فمن المحتمل أن تكون عقائد كل من القائم على الرعاية الطبية والمريض مختلفة، ثانيا ـ وهو الأهم ـ قد يشعر بعض المرضى بالحرج فيُجبرون على تلبية الاقتراحات والوصايا الروحية للقائم على الرعاية الطبية خشية أن يؤثر رفضهم على تلقي الرعاية، ثالثا خوفا من أن تفلت الأمور من السيطرة فتتحول المشافي إلى مراكز وعظية. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك ـ كما قلت في صدر المقال ـ دون أن يعرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ، لكنه قد يفعل ذلك أيضا حتى بعد أن عرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ!
هؤلاء الذين سوف يتخذون هذا الموقف سوف يستند موقفهم على أرضية أن العلمانية تعارض الدين، وهي الأرضية التي يقف عليها الجميع تقريبا في مصر ـ بلا مراجعة ـ رغم طاحونة الحقد التي دارت بين مسلمي ومسيحيي الوطن، والتي لم يعد سبيل إلى إنكارها، وسوف تدور رحى كثيرة طاحنة شعار العلمانية الأشهر في أدبيات العلمانيين والمتدينين على السواء، وأعني به شعار "فصل الدين عن الدولة" والذي يُعد إختزالا للشعار الأكثر شمولا وأعني به "فصل العبادات عن المعاملات" بالمصطلحات الإسلامية. الأخير والذي سوف ينال هجوما كبيرا يعني بالأساس ألا تتدخل الأمور العقائدية في الأمور المعاملتية، بمعنى أن العلاقة بين القائم على الرعاية الطبية مثلا والمريض ليس من المفترض أن يُلوّنها الاتفاق أو الاختلاف في العقيدة، وهو ما يسمح بمساواة المختلف ـ أي كان إختلافه ـ دينيا. على نفس المنوال يمكن سحب هذا المثل من مجال الرعاية الطبية إلى أي مجال آخر، فحين تواجه موظفا في أي إدارة من الإدارات الحكومية لا يجب أن يعتمد قضاؤك للمصلحة على درجة إسلامك إذا كان الموظف مسلما أو على درجة إيمانك بالمسيح إذا كان الموظف مسيحيا. قد يقول قائل إن هذه بديهية ولكني أتكلم عن الواقع على الأرض وليس عن المثاليات التي سوف يتفق الجميع عليها ـ لغة ـ وسوف يخالفونها ـ فعلا ـ بعد ذلك.
سوف يحاجج بعض المسلمين بأن تعاليم الإسلام تؤكد ذلك، وسوف أحاجج بأن تعاليم أي دين سماوي أو غير سماوي لا تقول شيئا غير ذلك، ولكني أيضا أؤكد أن كل مظاهر التدين في الشارع المصري لم تصنع من هذه الحقائق واقعا على الأرض، كما أن كل هذه المواعظ والخطب الدينية في كل مكان لم تجعل من البشر المؤمنين أكثر تسامحا، بل أكثر تدينا لأنها لم تعقلن تدينهم، ولهذا فإن فصل العبادات عن المعاملات الذي تنادي به العلمانية يصبح ضرورة لا ترفا.
المشكلة في أن الدعاوى التي تهاجم هذا الشعار ضمن مهاجمة العلمانية تتغافل عن أن القرون الثلاثة العلمانية في أوروبا لم تلغ وجود الكنائس والأديرة من أرضها، بل إن كافة المساجد التي تم بناؤها في أوروبا رُفعت مآذنها في حماية العلمانية. كما أن القرون الثلاثة العلمانية لم تلغ الدين ولم تسع إلى ذلك أيضا، وذلك لسبب بسيط هو أن العلمانية لم تبدأ في أوروبا لمناهضة الدين وإنما بدأت بالأساس لمناهضة استغلاله، فمثلا إمام المتمردين الدينيين "مارتن لوتر" الذي نال سخط الكنيسة في روما ورجال دينها، قاد ثورته ضد رجال الدين الفاسدين الذين يبيعون صكوك الغفران لمجرد أنهم يتحدثون باسم الله. قصدت طرح هذا المثال تحديدا لأن مارتن لوتر في النهاية رجل دين، أي أن التمرد في هذا المثال كان داخليا.
لم تبدأ فصول العلمانية في أوروبا واضعة الدين ـ كدين ـ في بؤرة هجومها، فلو لم يقم رجال الدين القائمون على شئونه باستغلال نفوذهم المستمد من السماء ـ غصبا ـ لما بدأت العلمانية حربها، الحرب العلمانية بدأت ضد تدين المتدينين، ذلك التدين الساذج الذي أقنعهم بإمكانية شراء بيت في الجنة بصك غفران يمكن مساومة رجل الدين على ثمنه، والذي أقنعهم بأن بقاء الحاكم فوق عرشه لا قدر إلهي فحسب بل تلبية لمشيئة الله، والذي أقنعهم بأن الفقر الذي يسببه الكساد عقاب إلهي وليس إساءة تصرف من القائمين على الشأن الاقتصادي وتلاعبا في السوق، والذي أقنعهم بأن انتشار مرض ما تصفية حسابات سماوية مع الخطاة وليس إهمالا من الأنظمة. ما أعنيه أن العلمانية بدأت كحركة ضد التدين وليس ضد الدين، ضد سذاجة الإيمان وليس ضد الإيمان، وهو ما عنى غربلة ـ بل وتفكيك ـ الإيمان وعلمنته ـ إن صح التعبير ـ لكي لا يصبح تكأة لمفسدة الاستغلال الديني الذي يبدأ من بيع صكوك الغفران وينتهي بحروب الإبادة الطائفية.
فصل العبادات عن المعاملات أيضا لم يلغ الأخلاق، وهي الفزاعة التي يستخدمها معارضو العلمانية، لأنه ليس صحيحا أن الضمير البشري قد جاءت به رسل من السماء، وإلا لكانت الجماعات المنعزلة في أفريقيا بلا أخلاق. سوف يحاجج البعض ـ وهم يفعلون ذلك طوال الوقت ـ بالطريقة التي يعيش بها الأوروبيون كدليل على الإنحطاط الأخلاقي، مشيرين إلى الحرية الجنسية خصوصا، هؤلاء لا يعرفون أن الأخلاق ليست مبادئ ثابتة وإنما متغيرات ثقافية، بمعنى أن الحكم الأخلاقي الذي قد يطرحه شخص قد لا يراه آخر صحيحا في إطار ثقافته، ورغم مبدأ الاختلاف الثقافي هذا فإنه لم يمنع من اتفاق الثقافات والأديان جميعها تقريبا على أن القتل خطأ، والكذب خطأ، والخداع خطأ، ومعاقرة امرأة لا تخصني خطأ أيضا، ذلك أن الأخلاق الأوروبية، والمختلفة بالطبع عن أخلاقنا هي ابنة ثقافتها، لهذا لن يدافع حتى أشد العلمانيين في مصر عن استعارة أخلاق من الخارج، ولن يطالب مجتمعه بإقرار الحرية الجنسية إلا إذا أقرتها الرغبة الشعبية، لأن الحرية الجنسية مثلها مثل الحرية الدينية والحرية الاقتصادية سواء بسواء سوف تكون رهن بصناديق الاقتراع والتصويت في مجلس الشعب.
وعليه فإن فصل العبادات عن المعاملات ـ والذي لا يعني البتة إلغاء العبادات كما أوضح هذا المقال ـ قد يكون صمام الأمان في مجتمع تم شحن طوائفه الدينية عاطفيا بإزاء بعضها البعض. ذلك أن المعاملات يجب أن توضع على أرضية المواطنة ـ والتي هي مبدأ أشمل من شعار العلمانية ـ لأنها ـ أي المواطنة ـ ترفض الانتماءات والتحزبات الدينية والعرقية والجنسية، ولذا فإنها تفصل الانتماءات الدينية والعرقية والجنسية عن المعاملات، فيمكن لأي منا ـ مهما كان اختلافه دينيا (مسلم أو مسيحي أم غير ذلك) أم عرقيا (أبيض أو أسود) أم جنسيا (رجل أو امرأة) أن يمارس حريته في اعتقاد ما يشاء، وأن يرتاد مكان عبادته أينما شاء دون أن يشعر أن ذلك قد يجلب إليه أي امتياز كما أنه لن يجلب عليه أي عار.
ومع هذا فلست ممن يميلون للعلمانية الغربية في صورتها الحالية، فقد سبق أن أشرت في أكثر من موضع أن الخطأ التراجيدي الذي وقعت فيه العلمانية التركية ـ باعتبارها المقر السابق للخلافة الإسلامية ـ كان في تجاهلها الدين والفقر ـ وعليه أقول إن العلمانية ليست مذهبا وبالتالي فهي ليست صيغة وحيدة وإنما على المجتمعات التي تقتنع بأن "العلمانية هي الحل" أن تبدأ في صياغة صورة علمانيتها الثقافية المثالية بالنسبة لها، سواء صنعت صورة مشابهة أو مخالفة للعلمانية الغربية، فالعلمانية مبدأ إنساني أولا وأخيرا..