31 August 2009

المواطنة هي الحل


في بريطانيا تم إيقاف إحدى الممرضات لأنها عرضت على أحد مرضاها أن تصلي من أجله. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك قبل أن يعرف أن مبررات الحكومة الإنجليزية ومجلس شيوخها في معارضة مناقشة الأمور الروحية في دور الرعاية الصحية تتلخص في التالي: أولا يُعد هذا الأمر تعديا على الحرية الشخصية للمريض، فمن المحتمل أن تكون عقائد كل من القائم على الرعاية الطبية والمريض مختلفة، ثانيا ـ وهو الأهم ـ قد يشعر بعض المرضى بالحرج فيُجبرون على تلبية الاقتراحات والوصايا الروحية للقائم على الرعاية الطبية خشية أن يؤثر رفضهم على تلقي الرعاية، ثالثا خوفا من أن تفلت الأمور من السيطرة فتتحول المشافي إلى مراكز وعظية. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك ـ كما قلت في صدر المقال ـ دون أن يعرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ، لكنه قد يفعل ذلك أيضا حتى بعد أن عرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ!

هؤلاء الذين سوف يتخذون هذا الموقف سوف يستند موقفهم على أرضية أن العلمانية تعارض الدين، وهي الأرضية التي يقف عليها الجميع تقريبا في مصر ـ بلا مراجعة ـ رغم طاحونة الحقد التي دارت بين مسلمي ومسيحيي الوطن، والتي لم يعد سبيل إلى إنكارها، وسوف تدور رحى كثيرة طاحنة شعار العلمانية الأشهر في أدبيات العلمانيين والمتدينين على السواء، وأعني به شعار "فصل الدين عن الدولة" والذي يُعد إختزالا للشعار الأكثر شمولا وأعني به "فصل العبادات عن المعاملات" بالمصطلحات الإسلامية. الأخير والذي سوف ينال هجوما كبيرا يعني بالأساس ألا تتدخل الأمور العقائدية في الأمور المعاملتية، بمعنى أن العلاقة بين القائم على الرعاية الطبية مثلا والمريض ليس من المفترض أن يُلوّنها الاتفاق أو الاختلاف في العقيدة، وهو ما يسمح بمساواة المختلف ـ أي كان إختلافه ـ دينيا. على نفس المنوال يمكن سحب هذا المثل من مجال الرعاية الطبية إلى أي مجال آخر، فحين تواجه موظفا في أي إدارة من الإدارات الحكومية لا يجب أن يعتمد قضاؤك للمصلحة على درجة إسلامك إذا كان الموظف مسلما أو على درجة إيمانك بالمسيح إذا كان الموظف مسيحيا. قد يقول قائل إن هذه بديهية ولكني أتكلم عن الواقع على الأرض وليس عن المثاليات التي سوف يتفق الجميع عليها ـ لغة ـ وسوف يخالفونها ـ فعلا ـ بعد ذلك.

سوف يحاجج بعض المسلمين بأن تعاليم الإسلام تؤكد ذلك، وسوف أحاجج بأن تعاليم أي دين سماوي أو غير سماوي لا تقول شيئا غير ذلك، ولكني أيضا أؤكد أن كل مظاهر التدين في الشارع المصري لم تصنع من هذه الحقائق واقعا على الأرض، كما أن كل هذه المواعظ والخطب الدينية في كل مكان لم تجعل من البشر المؤمنين أكثر تسامحا، بل أكثر تدينا لأنها لم تعقلن تدينهم، ولهذا فإن فصل العبادات عن المعاملات الذي تنادي به العلمانية يصبح ضرورة لا ترفا.

المشكلة في أن الدعاوى التي تهاجم هذا الشعار ضمن مهاجمة العلمانية تتغافل عن أن القرون الثلاثة العلمانية في أوروبا لم تلغ وجود الكنائس والأديرة من أرضها، بل إن كافة المساجد التي تم بناؤها في أوروبا رُفعت مآذنها في حماية العلمانية. كما أن القرون الثلاثة العلمانية لم تلغ الدين ولم تسع إلى ذلك أيضا، وذلك لسبب بسيط هو أن العلمانية لم تبدأ في أوروبا لمناهضة الدين وإنما بدأت بالأساس لمناهضة استغلاله، فمثلا إمام المتمردين الدينيين "مارتن لوتر" الذي نال سخط الكنيسة في روما ورجال دينها، قاد ثورته ضد رجال الدين الفاسدين الذين يبيعون صكوك الغفران لمجرد أنهم يتحدثون باسم الله. قصدت طرح هذا المثال تحديدا لأن مارتن لوتر في النهاية رجل دين، أي أن التمرد في هذا المثال كان داخليا.

لم تبدأ فصول العلمانية في أوروبا واضعة الدين ـ كدين ـ في بؤرة هجومها، فلو لم يقم رجال الدين القائمون على شئونه باستغلال نفوذهم المستمد من السماء ـ غصبا ـ لما بدأت العلمانية حربها، الحرب العلمانية بدأت ضد تدين المتدينين، ذلك التدين الساذج الذي أقنعهم بإمكانية شراء بيت في الجنة بصك غفران يمكن مساومة رجل الدين على ثمنه، والذي أقنعهم بأن بقاء الحاكم فوق عرشه لا قدر إلهي فحسب بل تلبية لمشيئة الله، والذي أقنعهم بأن الفقر الذي يسببه الكساد عقاب إلهي وليس إساءة تصرف من القائمين على الشأن الاقتصادي وتلاعبا في السوق، والذي أقنعهم بأن انتشار مرض ما تصفية حسابات سماوية مع الخطاة وليس إهمالا من الأنظمة. ما أعنيه أن العلمانية بدأت كحركة ضد التدين وليس ضد الدين، ضد سذاجة الإيمان وليس ضد الإيمان، وهو ما عنى غربلة ـ بل وتفكيك ـ الإيمان وعلمنته ـ إن صح التعبير ـ لكي لا يصبح تكأة لمفسدة الاستغلال الديني الذي يبدأ من بيع صكوك الغفران وينتهي بحروب الإبادة الطائفية.

فصل العبادات عن المعاملات أيضا لم يلغ الأخلاق، وهي الفزاعة التي يستخدمها معارضو العلمانية، لأنه ليس صحيحا أن الضمير البشري قد جاءت به رسل من السماء، وإلا لكانت الجماعات المنعزلة في أفريقيا بلا أخلاق. سوف يحاجج البعض ـ وهم يفعلون ذلك طوال الوقت ـ بالطريقة التي يعيش بها الأوروبيون كدليل على الإنحطاط الأخلاقي، مشيرين إلى الحرية الجنسية خصوصا، هؤلاء لا يعرفون أن الأخلاق ليست مبادئ ثابتة وإنما متغيرات ثقافية، بمعنى أن الحكم الأخلاقي الذي قد يطرحه شخص قد لا يراه آخر صحيحا في إطار ثقافته، ورغم مبدأ الاختلاف الثقافي هذا فإنه لم يمنع من اتفاق الثقافات والأديان جميعها تقريبا على أن القتل خطأ، والكذب خطأ، والخداع خطأ، ومعاقرة امرأة لا تخصني خطأ أيضا، ذلك أن الأخلاق الأوروبية، والمختلفة بالطبع عن أخلاقنا هي ابنة ثقافتها، لهذا لن يدافع حتى أشد العلمانيين في مصر عن استعارة أخلاق من الخارج، ولن يطالب مجتمعه بإقرار الحرية الجنسية إلا إذا أقرتها الرغبة الشعبية، لأن الحرية الجنسية مثلها مثل الحرية الدينية والحرية الاقتصادية سواء بسواء سوف تكون رهن بصناديق الاقتراع والتصويت في مجلس الشعب.

وعليه فإن فصل العبادات عن المعاملات ـ والذي لا يعني البتة إلغاء العبادات كما أوضح هذا المقال ـ قد يكون صمام الأمان في مجتمع تم شحن طوائفه الدينية عاطفيا بإزاء بعضها البعض. ذلك أن المعاملات يجب أن توضع على أرضية المواطنة ـ والتي هي مبدأ أشمل من شعار العلمانية ـ لأنها ـ أي المواطنة ـ ترفض الانتماءات والتحزبات الدينية والعرقية والجنسية، ولذا فإنها تفصل الانتماءات الدينية والعرقية والجنسية عن المعاملات، فيمكن لأي منا ـ مهما كان اختلافه دينيا (مسلم أو مسيحي أم غير ذلك) أم عرقيا (أبيض أو أسود) أم جنسيا (رجل أو امرأة) أن يمارس حريته في اعتقاد ما يشاء، وأن يرتاد مكان عبادته أينما شاء دون أن يشعر أن ذلك قد يجلب إليه أي امتياز كما أنه لن يجلب عليه أي عار.

ومع هذا فلست ممن يميلون للعلمانية الغربية في صورتها الحالية، فقد سبق أن أشرت في أكثر من موضع أن الخطأ التراجيدي الذي وقعت فيه العلمانية التركية ـ باعتبارها المقر السابق للخلافة الإسلامية ـ كان في تجاهلها الدين والفقر ـ وعليه أقول إن العلمانية ليست مذهبا وبالتالي فهي ليست صيغة وحيدة وإنما على المجتمعات التي تقتنع بأن "العلمانية هي الحل" أن تبدأ في صياغة صورة علمانيتها الثقافية المثالية بالنسبة لها، سواء صنعت صورة مشابهة أو مخالفة للعلمانية الغربية، فالعلمانية مبدأ إنساني أولا وأخيرا..

أبو تريكة والقمني


ليس لهذا المقال علاقة مباشرة بعنوانه، ما يعني أننا لسنا بصدد التعامل مع أبو تريكة ولا مع القمني كشخصيتين أصابا ما أصابا من الصخب في الفترة الأخيرة. ومع هذا يظل للمقال علاقة بهما بالقدر الذي يكون لأيهما صلة ما بالطريقة التي يبني بها الرأي العام في مصر قناعاته وأساطيره، الأخير تحديدا ـ صناعة الأسطورة ـ هو موضوع المقال، ذلك أن هذا المقال يتساءل عن الطريقة التي يتم بها تصنيع الأسطورة في مصر ثقافيا، مع ملاحظة أن الدراسات الثقافية ـ منهجية هذا المقال ـ لا تساوي بين الأسطورة كمفهوم وبين الحدث غير الحقيقي، فهي لا تنشغل بحدوث أو عدم حدوث أي من الأساطير، بمعنى أن مفهوم الأسطورة لا يفترض بداية أن مجال الأسطورة غير حقيقي، ما يعني أن أبو تريكة أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك، كما أن القمني أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر ـ أيضا ـ عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك.

على مدار السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لمع نجم لاعب الأهلي محمد أبو تريكة ونال عدة ألقاب تبودلت في وسائل الإعلام منها "الخلوق" وحبيب والديه" و"الساحر" و"القديس"، وبالطبع تؤشر هذه الألقاب على التوجه العام لمن أطلقوها أول مرة ثم يؤشر شيوع هذه الألقاب وخروجها من المجال الرياضي إلى المجال العام على الطريقة التي يبني بها الرأي العام قناعاته. ما أعنيه أن تشكل أسطورة أبو تريكة بدأ من علاقته المباشرة بأرض الملعب (الساحر) كلاعب لا يجرؤ أحدهم على التقليل من موهبته وجدارته انتهاء بعلاقته بالسماء (القديس) مرورا بعلاقاته الإنسانية خارج المستطيل الأخضر (الخلوق وحبيب والديه) ثم الارتكاز إلى علاقته بالسماء في إعادة تدوير الأسطورة. الأهم في رأيي ليس في هذا الاندياح من الخاص (العلاقة الأفقية بالملعب) للعام (العلاقة الرأسية بالسماء)، ولكن الأهم في تبني الجميع ثقافيا لهذه الأسطورة في مجملها والتشديد على العلاقة بالسماء باعتباره متدينا، وهي العلاقة التي تأسست على عدة مواقف منها: استنكار الحصار على غزة بعد تسجيله هدفا في بطولة الأمم 2008 ثم موقفه من مصافحة المطربة نانسي عجرم وغيرها من المواقف.

ما أعنيه أن صناعة الأسطورة الخاصة بأبو تريكة تمت استنادا على علاقته بالسماء، وهي علاقة دللت عليها مواقف إعلامية بالأساس، هذه الصناعة تغافلت عن وضع هذه المواقف في سياق أكثر عمقا وهو سياق آليات السوق باعتبار أن لاعب الكرة ـ أي لاعب كرة ـ الآن ـ هو ضمن منظومة رأسمالية إعلامية إعلانية لا يمكنه الفكاك منها، وهي منظومة غير أخلاقية بالأساس، بل هي منظومة غير أخلاقية بالمرة، وعليه تم تجاهل كثير من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر لولا الأسطرة الدينية التي استطاعت أن تحمي اللاعب مجال الأسطورة من المساس به، وعليه ـ وفي حماية الأسطورة ـ أصبح من الممكن تفسير ـ بل وتبرير ـ كافة أفعال اللاعب داخل الفضاء الوظيفي وخارجه، بما يتسق مع الأسطورة ذات الحضور، فأصبح الكلام عن رغبته في الاحتراف مكافأة نهاية خدمة مشروعة بل واجبة على كل مسلم، كما أصبح الكلام عن تراجعه عن الاحتراف بطولة ووطنية وانتماء إلخ. ما أعنيه أن الأسطورة تفرض على المتعامل معها احتواء كافة المفردات والمواقف لسياقها ونسقها، طالما أن الأسطورة غير قابلة للنقد أو للمراجعة. وهو ما لم يحدث مع أبو تريكة فقط بل مع سيد القمني أيضا.

فعلى الضفة الأخرى من النهر أثيرت مؤخرا قضية مكررة حول كتابات دكتور سيد القمني، لا مجال هنا لسرد فصولها، ولكن ما يعنينا أن الرأي العام في مصر صنع أسطورته حول الرجل بعيدا عن مجال كتاباته، حيث تشكلت الأسطورة حوله استنادا على علاقته بالسماء، فكان محورها التشكيك في إيمانه، متهمة إياه بالكفر والإلحاد، واصفة إياه بالعلمانية التي هي في أدبيات الأسلاميين قرينة الكفر والعياذ بالله!

تمت صناعة أسطورة القمني استنادا إذا على علاقته بالسماء، والتي تشكلت عبر بعض الآراء التي أطلقها بعض رجال الدين الذين أعلنوا جميعا ـ بلا أي إحساس بالألم ـ عدم قراءة كتابات الرجل، بل إن أحدهم ـ وهو الشيخ خالد عبد الله ـ بالغ قائلا إنه لا يضيع وقته في قراءة العلمانيين، أي أن صناعة الأسطورة في حالة القمني استندت على آراء لم تفند محورها إيمان الرجل أو علاقته بالسماء.

على هذا الأساس أجد مشابهة في الأسطورتين اللتين إنشغل بهما الرأي العام مؤخرا، حيث أن كليهما استند على العلاقة الرأسية بالسماء، وَصْفُها في حالة الأول بالحسنة منحه لقب القديس، ووصفها في حالة الثاني بالسيئة منحه لقب الكافر، وحسب موقع كل منهما في العلاقة الرأسية تمت إعادة تدوير الأسطورة، بالنسبة للأول تم تبرير مواقفه كلها في إطار القدسية الممنوحة له، كشخص لا ينطق عن الهوى، ولا يخرج الباطل من بين يديه، وبالنسبة للثاني تم تكفير كافة مقولاته وتجاهل شهادته بأن لا إله إلا الله محمدا رسول الله على إحدى القنوات ورفض قراءة كتاباته وفحصها رغم أنها الفضاء الذي كان لابد أن يحاكم ويناقش من خلاله. أي أن الرأي العام المصري صنع أسطورتيه استنادا على فضاء غير الفضاء الذي كان يوجب التعامل مع الرجلين موضوعا الأسطورتين، وعليه تم تصنيف الأول والثاني في خانتي "القديس" و"الكافر" دون الالتفات إلى أن إيمان الأول وكفر الثاني لا علاقة له بمجال عمليهما، فضلا عن أن إيمان الأول وكفر الثاني ليس له علاقة بدرجة إجادة أي منهما لعمله، فإذا كان الأول لاعب كرة وإذا كان الثاني باحثا اجتماعيا فإن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بجدارتهما في مجال عمليهما. فضلا عن أن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بنا لأن أي منا لا يملك مفاتيحها لأن الإيمان محله القلب!

أستنتج من ذلك عدة نقاط منها: أولا أن النموذج الأمثل للمصريين ثقافيا هذه الأيام هو الشخص المتدين، قد يحاجج البعض أن اللاعب موضوع الأسطورة موهوب في مجاله وهذا صحيح، ولكن ما أعنيه أن فعل الأسطرة تجاهل لاعبين آخرين في مثل موهبته بينما تم انتقاؤه خصيصا على أرضية تدينه. وهي الأرضية التي مررت عددا من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر، مثل قبوله مبلغ المليون جنيه هبة من رجل الأعمال ساويرس ثم رده مرة أخرى احتراما لتعاقداته مع شركة اتصالات منافسة للشركة التي يملكها ساويرس، وغيرها من المواقف التي تم تبريرها على أرضية أن القديس لا يمكنه أن يخطئ سواء في الفعل أو نقيضه، فحتى إن أراد فإنه لا ينطق عن الهوى كقديس "ليس من هذه الأرض ولكنه من السماء"، التعبير الأخير ورد في أسبوع واحد في مقالتين لاثنين من الكتاب المحترمين في جريدتي الأهرام والمصري اليوم، الطريف أنهما ـ كاتبا المقالتين ـ لا ينتميان للفضاء الرياضي أساسا، وهو ما يعبر عن أن إعادة تدوير الأسطورة عملية لا يقوم بها فرد ولا مؤسسة ولكنها عملية تستقر بعد فترة في اللاوعي الجمعي، طالما لا تتم مراجعتها.

ثانيا أن مثل هذه الطريقة في صناعة الأسطورة ما كان لها أن تكون إلا في سياق ثقافي عام يعمل على تنميتها. في هذا السياق يمكن فهم إعلان مدرب فريق المنتخب حسن شحاتة عدة مرات في مقابلات تلفزيونية أن النجاح الذي حققه هذا الجيل من اللاعبين ـ أفريقيا ـ سببه الأساسي تدين معظمهم والتزامهم دينيا، وهو السياق الثقافي الذي يحيل المسألة برمتها للسماء، وهو نفسه الذي فسر هزيمة 67 في ضوء العلاقة بالسماء على اعتبار أن الهزيمة كانت عقابا سماويا على اشتراكية الدولة، وهو السياق الذي يتجاهل الأسباب الموضوعية للنجاح أو الفشل، وهو ما يمكن إحباطه بسهولة لا مجال له هنا.

ثالثا إذا عرفنا أن فرص صناعة أسطورة مؤسسة على علاقة شخص قبطي بالسماء ضئيلة للغاية إن لم تكن مستحيلة، فهمنا أن المصريين يصنعون أساطيرهم وفق منهجية دينية قبلية، تؤطر المؤمن في خانة الملائكة وتؤطر الكافر في خانة الشيطان، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التأطير يتم وفق نظرة أحادية تماما تفترض أنها تملك الحقيقة المطلقة. باعتبار أن الإسلام هو الدين الصحيح الوحيد من جهة وباعتبار أن الإسلام ليس له إلا صورة وحيدة هي التي صنعها رجال الدين من أصحاب العمائم أو من أصحاب الياقات البيضاء من الدعاة الجدد.

رابعا وأخيرا وهو الاستناج الأكثر رعبا أن المصريين ليسوا فحسب غير قادرين على مراجعة أساطيرهم بل إنهم أيضا لا يرحبون بذلك، بدليل أن أيا ممن يعيدون تدوير أسطورة القديس لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة كما أنا أي ممن يعيدون تدوير أسطورة الكافر لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة بقدر عدم ترحيبه بقراءة كتابات الرجل والاستسلام في الحالتين لمكنة إعلامية تعيد تدوير الأساطير بلا رحمة.