قررت التوقف عن الكتابة عدة مرات. أعرف أنه قرار مبكر جدا لشخص لم يتم عامه الخامس والثلاثين بعد ولكن أيضا كشخص لم يتم عامه الخامس والثلاثين كان من غير المحتمل معاقرة واقع أشد قسوة مما يحسب ومعاقرة قدرة على الفعل أقل مما ينبغي. كان خلف هذا القرار إحساس بأن لا شيء يحدث وبأن لا شيء في الإمكان، بدت الحياة في مصر كصورة ثابتة تتكرر إلى ما لا نهاية متحدية كل هذا الصخب والضجيج الذي يملأ الكتب والصحف والمقاهي وقاعات المنتديات والندوات وقاعات الدرس. لدى بائعي الجرائد مئات الصحف التي لا يقرأها أحد والتي لا يسمع بها أحد أيضا وفي قائمة "الدش" آلاف القنوات الخاصة التي لا هم لها غير فضح النظام الحاكم والأنظمة الحاكمة في كل مكان، وكل حين يشوش على المشهد الثابت وقفة احتجاجية أو تظاهرة عابرة في مربع صغير بوسط القاهرة لا يسمع بها غير الواقفون احتجاجا أو هؤلاء الذين تعذر لسياراتهم المرور بهذا المربع والذين يطلون عادة من نوافذ سياراتهم وفي أعينهم تعبير محايد جدا وتساؤل عن فائدة أي شيء!
وكانوا يعلموننا في المدارس أن الشعب المصري صاحب تاريخ من النضال الوطني ممتد في الزمن، وفي المدارس سمعنا بأحمد عرابي وثورته التي قرأنا في الكتب أنها كانت "هوجة" وليست ثورة، وعرفنا بسعد زغلول الذي تحدى الانجليز والخديوي لينتهي نضاله إلى الجملة الشهيرة "ما فيش فايدة" وعرفنا عن عبد الناصر الذي قيل لنا فيما بعد أن حركته لم تكن ثورة مباركة وإنما انقلابا كما لو أن الأسماء كانت تهمنا. أما من هم أصغر مني عمرا فإنهم تعلموا بالتأكيد كيف ينطقون ويكتبون عبارة "أول ضربة جوية" دون ملاحظة أنها الأخيرة أيضا؛ ولكن أي من جيلي وأي ممن جاءوا بعده لن يمكنهم تغيير المشهد الثابت أبدا في مصر، ولن يمكنهم في أفضل حالاتهم غير الصراخ في المربع الصغير الذي رسم لهم بمنطقة وسط البلد، أو الصراخ في مربع صغير في جريدة مثلما أفعل أنا.
عشت حتى الآن وفي قناعتي أني ابن التنوير المصري الذي حصد الكثير في بدايات القرن الماضي، وكان الدرس الأول للتنوير أنه بدأ بالأساس في صيغة سؤال سياسي قبل أن يتحول إلى صيغته الثقافية، فمن يطالع مذكرات محمد عبده يفاجأ بأنها تخلو من كل ما هو شخصي بل ومن كل ما هو ثقافي رغم كل الجهد الذي بذله الرجل في حركة التنوير ورغم دوره في هذه الحركة، فما كان يشغل الرجل ورفاقه من رواد التنوير كان علاقة الحاكم بالمحكومين حتى ليمكننا القول إن التنوير في نسخته المصرية كان "دستوريا" أي أنه كان منشغلا بما يمكن أن ينظم حياة الفرد والأمة سياسيا، حتى وإن كان على عبد الرازق هو من صاغ سؤال التنوير في صورته الأولية فإن جهود هذا الجيل وأجيال بعده كانت منشغلة بالسؤال ذاته بدليل أن الثورة العرابية احتدمت لمطالبة عرابي بالدستور وبدليل أن دستور 1923 كان محصلة ثورة سعد زغلول. ولكن فشل الثورة العرابية مثلا التي كان محمد عبده ضالعا فيها دعاه للتوجه نحو تحرير العقل واللغة قبل تحرير الحياة السياسية، فقد بدا للرجل في أخريات حياته مثلما بدا لكثير ممن جاءوا بعده كلطفي السيد وطه حسين وغيرهما أن لا طائل من الكلام في السياسة.
يقول طه حسين "فما كان من الممكن في رأيهما ـ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ـ تحقيق التحرر السياسي على الصعيد الداخلي في وجه الحكام الطغاة في إسطنبول أو القاهرة أو على الصعيد الخارجي في وجه السيطرة الأوروبية المفروضة بالاستعمار المباشر أو بالضغط غير المباشر، إلا بتحرير الإنسان بإزاء نفسه" وهو تحرير ثقافي قبل كل شيء، أي أن المحصلة من التنوير المصري ودرس التنوير الأول هو ضرورة تحرير العقل الإنساني الذي إن تحرر بات تحرير النشاط السياسي تحصيل حاصل.
وفي رأيي أن كل هذا الصخب الذي يملأ الصحف والقنوات أضر بقضية الحرية أكثر مما أفادها، فقد اعتاد الكثيرون على أن هناك من يحمل صليبهم بدلا عنهم، وأن هناك من يصرخ بدلا عنهم، وأنه هناك ـ إذا اقتضت الحاجة ـ من يُسجن بدلا عنهم. وفي رأيي أن القضية الأوْلى بالاعتبار هي قضية "تحرير العقل" أولا وفي ظني أنها ليست بالقضية السهلة خصوصا وأن الذين يخوضون فيها يُتهمون بالكفر أحيانا، وهي تهمة جاهزة لدى بشر يقول عنهم الأديب التشيكي ميلان كونديرا "لديهم ميل للحكم على الأشياء قبل فهمها"!
لا يعني ذلك أن يتوقف الجميع عن الكتابة في السياسة ولكن ما أعنيه أن تتوجه الكتابات السياسية إلى تنوير العقل سياسيا بديلا عن حشده عاطفيا ذلك أن توالي الاحتشاد العاطفي مع ثبات الصورة يولد على المدى البعيد حالة من حالات اليأس التي تعوق العقل عن ممارسة حريته فينتهي إلى الانغلاق أيديولوجيا أو دينيا وهو الانغلاق الذي يضر بالقضية الأهم.. قضية تحرير الإنسان بإزاء نفسه.