16 December 2008

اجلدوا نهى رشدي

 

        فكرت في أن مقالا عن نهى رشدي، بطلة قضية التحرش، لن يكون له معنى طالما أن الجميع يستعد للاحتفال بالنصر، أو بنهى، أو بالاثنين معا، ولكن تجدد دراما القصة بعد ادعاءات إحدى المحاميات بأن نهى إسرائيلية الجنسية، الأمر الذي حوَّل موقف الناس في الشارع المصري لينصب تعاطفهم على الجاني بدلا من الضحية، كان أكثر من مفزع بالنسبة لي. والحقيقة أني لا أكاد أفهم هذا الموقف إلى في ضوء حدث شبيه، وهو تعاطف الناس مع قضية الطبيب المصري الذي تم جلده في السعودية مؤخرا، في القضية التي شغلت الرأي العام لفترة. طبعا دفاع المصريين عن الطبيب المصري أمر مفهوم تماما، ولكن لا يساويه أبدا الدفاع عن المتحرش بنهى لمجرد أنه مصري وأنها ـ حسب الشائعة السخيفة ـ إسرائيلية، وكأن التحرش في مصر شأن داخلي لا يحق للأجانب ـ وخصوصا الأعداء ـ التدخل فيه، ومن ثم تحرش مصري بإسرائيلية ـ وفقا لطريقة التفكير المصرية ـ ليس خطئا، ولا يستأهل عقابا.

 

        اللافت في النظر في القضيتين هو توجه الرأي العام نحو استبعاد الشق القانوني تماما في حين أن الشق القانوني في الدعاوى القانونية أولى بأن يكون المؤسس الحقيقي للرأي العام، لقد تم تجاهل تفاصيل الاتهام الذي وجه للطبيب المصري والإبقاء على الصورة الميلودرامية لمصري يتم جلده في الخارج، وعلى النحو نفسه تم أيضا تجاهل تفاصيل قضية التحرش بنهى لصالح الصورة الأكثر ميلودرامية لواحدة من الأعداء الصهاينة تتسبب في حبس مصري ثلاث سنوات. وفي رأيي أن تجاهل الشق القانوني ـ في الحالتين ـ يعكس الطريقة التي بات المصريون ينظرون بها للأمور، وهي في رأيي نظرة يشوبها التناقض من جهة، لأن الدفاع عن المتهم (الطبيب المصري) في السعودية قابله هنا الدفاع عن المدعية (نهى باعتبارها إسرائيلية)، ومن جهة أخرى يشوبها غياب المعيار الحقيقي للحكم على الأمور واستبدال معيار العدالة كقيمة بمعيار العصبية للجنس أو العصبية الأممية.

 

        ما أقصده أن المصريين ينظرون لأمورهم بمنطق العصبية، ولذلك فإنهم يتشددون جدا في عدائهم مثلا لإسرائيل بسبب عصبيتهم في الوقت الذي يمكنهم فيه التضحية بسلامهم الداخلي بالاستمرار في الطائفية الدينية، ولذلك تظل كراهيتهم لإسرائيل مبالغ في حدتها لأنها غير مشفوعة بفعل، أي أنها كراهية معلنة فحسب دون ترجمتها لفعل من أي نوع، بدليل فشل كل دعوات المقاطعة مثلا، كما أن كراهية المصريين بعضهم البعض تصبح بلا مسوغ حقيقي لأن عصبيتهم للجنس تنفيها، أو من المفترض لها أن تنفيها.

 

        في حالة الطبيب المصري كان مفهوما جدا الدفاع عنه باعتباره مصريا، ولو أن تجاهل الشق القانوني قد أزعجني، ربما بسبب توحش طريقة العقاب التي ينتهجها القانون السعودي، ولكن ما أزعجني أكثر كان تجاهل الشق القانوني في قضية نهى رشدي، لأن الوقوف في صف المجرم كان يعني أننا لا نفكر في العدالة قدر ما نفكر في عصبيتنا، فماذا لو أن نهى إسرائيلية فعلا، وماذا لو أنها يهودية، فهل نمنعها حقها في العدالة لمجرد أنها لا تنتمي إلينا، وهل كونها إسرائيلية يجعل منها امرأة مباحة في عرضها ومالها، وماذا لو أن الطبيب الذي حوكم بالجلد 1500 جلدة ليس مصريا، أما كان يستحق منا التعاطف معه، والدفاع عنه ضد التطبيق غير الإنساني للقانون؟ هل كنا نرسل خطاب شكر للسلطات السعودية لو أن من جلدته كان أمريكيا أو إسرائيليا أو دانمركيا.

 

        أما موقف المحامية نفسها فهو موقف يكاد يفهم في إطار عصبية المصريين، فبغض النظر عن دوافعها، كرغبتها المؤكدة في الظهور الإعلامي، أو رغبتها في التهام الكعكة وحدها، أو تجنيد القضية لصالح الجمعية النسائية التي ترأسها، أو غيره، فإن تحولها من الدفاع عن نهى للدفاع عن المتحرش بها، كما جاء في كلامها، لم يكن بسبب اكتشافها براءة المتهم (لا سمح الله) ولكن بسبب اكتشافها "جنسية" المدعية، كما لو أن القانون الذي تعلمته مجرد إجراءات شكلية الهدف منها القبض على الأتعاب بعد نصرة "ابن عمي على الغريب"، دون النظر إلى عدالة موقف المجني عليه من الجاني أو موقف المدعي من المدعي عليه بمصطلحات القانون. والحقيقة أن المحامية لم يكن موقفها غريبا ـ بقدر ما هو مفزع ـ بدليل أن كثير من المصريين انساقوا خلفها وقرروا فجأة تجاهل أن ثمة شخص قد تحرش بفتاة عابرة لمجرد أن تلك الفتاة العابرة ليست مننا ولا علينا. وهو ما يعكس قدرة المحامية نفسها على فهم طبيعة الرأي العام في مصر من جهة، فضلا عن ضحالة الرأي العام وعصبيته من جهة ثانية، لأنه إذا كان من المفترض أن القانون هو انعكاس لعقلية أي شعب فإن الطريقة التي ينظر بها الشعب للقانون هي أيضا انعكاسا لعقليته، فإذا كانت هذه هي نظرة المحامية والناس في قضية كهذه فإن العقلية الحاكمة تصبح مفهومة لنا ومؤكدة في نظرتها العصبية وغير العقلانية.

 

        المصريون الذين يدافعون عن الطبيب المصري لأن السعوديين قد جلدوه، والذين يطالبون طوال الوقت بأن تحترمهم سلطات الدول التي يرحلون إليها عليهم هم أيضا أن يحترموا مواطني الدول الأخرى، وأبلغ آيات الاحترام في رأيي هي تطبيق القانون، فإذا كان علينا الدفاع عن مواطننا في السعودية فعلينا أيضا أن ندافع عن نهى حتى ولو كانت إسرائيلية، لأن قرار جلد نهى على الهوية معناه قبول جلدنا في كل مكان نكون فيه لأننا سوف نجلد على الهوية، فهذا على الأقل هو العدل.. فهل تجلدوا نهى رشدي؟

No comments:

Post a Comment