14 June 2011

مواطن اسبرطي صالح.. ديوان شعر



لا يعوَّل عليها







كل كتابة لا تحرر طاقة لا يعوّل عليها
...
كل كتابة لا تقوض خوفا لا يعوّل عليها
...
كل كتابة لا تعبِّد طريقا لا يعوّل عليها
...
كل كتابة لا تشتت يقينا لا يعوّل عليها
... 









كل كتابة لا تتبع ناسوتا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تزيل وحشة لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تفض بكارة لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تهمش متنا لا يعوّّل عليها
... 









كل كتابة لا تؤرق قيصرا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تقيل من عثرة لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تجدد أملا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تحرك ساكنا لا يعوّّل عليها
... 









كل كتابة لا تنير عتمة لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تبدد وهما لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تصمت لتقول لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تحذف لتضيف لا يعوّّل عليها
... 









كل كتابة لا تزيل سحرا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تضيف جديدا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تقيم أنسا لا يعوّّل عليها
...
كل كتابة لا تشيع بهجة لا يعوّّل عليها  







ثلاثة وجوه للعشق

( 1 )


أعرف أنكم تكرهونني..
لأني محطم مثلكم..
ولكن..
لا بأس؛
فلنبتلع مرارة السجائر الرخيصة..
ولنكمل اللعبة..
فيما يشبه الطقس؛
أو
الانتحار.
فلربما نلتقي..
قبل أن تُغادرنا المقاهي..
ويُـفجعنا التعري..
فلا نقوى على الاندهاش
أو الخجل!



( 2 )

لا.
لن أصبح كما تهوون
وإن عشقت؛
فلن أعشق كما تتعشقون
فإنكم غرائبيون
تدّعون
إنكم..
وإنكم..
وإنكم..
وفي النهاية تستبيحون كل شئ
كل شئ.
............
لا.
لن أصبح كما تهوون
لن أصبح كما تهوون!



( 3 )

أحبكم.
برغم كل شئ
أحب أن أحبكم !
برغم تكسر الحرف فوق الأحرف الأخرى
أحب أن أحبكم!
برغم شيوع أولاكم بأخراكم
أحب أن أحبكم!
برغم تسـيّـد الخصيان على مشارف الآتي
أحب أن أحبكم!
فإنكم طيبون
ترومون انطفاءاتي
ولكنكم تعرفون
بأنكم مذنبون
ولذا
أحب أن أحبكم!




لعلكم تتطهرون
حينما تشرعون سيوفكم في وجهي
وتقتلون
تقتلون من أحَب أن يحبكم!
أحبكم!!



الغـد









في الغد
سوف أجمع أوراقي وأمضي
فلا يشيِّعني أحد
ولسوف أصطحب معي تذكارًا من أسماء
وكتابًا أودعنيه أبي
ودعوة من أمي
وجراحًا من صدر الوطن










في الغد
سوف ترجوني المساءات أن أبقى
فلن أبقى
ولن ألتفت إلى أحد
مادام لن يشيِّعني أحد
فما من أحد
في مدينة السراب
وما من أحد في المقاهي
يشغله انتحار أحد
من مدينة الدخان
ذات الألف مطب !










طوبى أبا لهب
فالغد لك لك
الغد لك لك !!







في الخامس والعشرين




في الخامس والعشرين
من هذا العمر المثقل بالأحزان وبالإحباط وبالأشعار
ارتج القلب خواء
وتثاءبت كأني
في الخامس والعشرين بعد المائة
وتجولت بكل مسام الجسد المنهك
لم يذكرني الصحب بساح اللعب
لم يعرفني رفاق السوء بمرحاض المدرسة السفلي
(حين منحت حسام مجلة جنس
من أجل سيجار مسروق من أدراج أبيه)
لم تذكرني صحيباتي الأطهار!
لم تذكرن الورد المسجى بين الروح..
وبين الجسد المجهد عشقاً
لم تذكرن القلب (المرسل) مثل نبيٍ بالأشعار
يا لصحيباتي الأطهار!!

فبراير 1999


مريمية





مريمية العينين والحزن،
وأنا مسيحها.
عيناها: الأرض والأشجار والأحياء القديمة..
تضحك: تتلون الدنيا بملابس الأطفال يوم العيد..
تمر بي كأنها لا تعرفني
لأنها تخاف من ثرثرة الملل
وتخشى الأسئلة المطلة من نوافذ العيون المستريبة..
تخاف أن يقول لها الناس: لقد جئت شيئا فريا.
قلت لها: ألا تحزني!
لكنها سرمدية الحزن والخوف..
أنتظرها حتى تستيقظ من صمتها..
أظل أنتظرها..
أظل..

1999

الموت في نهاية الحفلة




جسد..
وامرأة توت..
ونافذة تطل على قصيدة..
هل إذا ما أثخن القلب بالرثاء
وشاغلته النوارس
عن أن يلبي نداء الجميلة
التي كانت خضراء
ولكنها ـ دون علمه ـ
وزعت نفسها بين القادمين
والماضيين
وبين الساعات الممتلئة ضبابا..
هل إذا ما تم له ذلك
يجرؤ على الموت
ولو بعد انتهاء حفلاتهم؟!

23/12/1995 



تتفرس فيّ





تتفرس فيّ: أرتسم على الحائط مرآة متشظية الإيقاع
تتفرس فيّ: ينفك القلب كأرداف المذياع
وأصير أثير
أعبر كل القارات المنكفئة من زمن الطوفان
أعبر كل الأزمنة الفالتة بكل الوقت


لسنا كفرة




يكفي أنَّا..
لسنا نخاف أن نُسرق..
(فليس لدينا ما يُسرق)
لسنا نخاف أن نُقتل..
(فليس لدينا ما نُقتل من أجله)
لسنا نخاف أن نُصلب..
أو نُدق في شجرة..
(فلسنا كفرة)
..........

لسنا كفرة!

1996



مرآة



(إلى صديقي.. قبل أن يبدل طول قامته!)






كلما بدَّل سيارته
بدَّل أصدقاءه!







كلما بدَّل سيارته
بدَّل أصدقاءه..
مقهاه..
لغته..
ميدالية مفاتيحه..
هاتفه المحمول..
.. وربما صديقته!








كلما بدَّل سيارته
بدَّل أصدقاءه..
خارطة مدينته..
تابعوه المخلصون..
دفتر هاتفه..
فنجان قهوته..
.. وربما كتابه المقدس!








كلما بدَّل سيارته
بدَّل أصدقاءه..
نظارته الشمسية..
رنة ضحكته..
منديله الورقي..
حرارة قبلته..
زينة يوم مولده..
.. وربما تاريخ ميلاده!






كلما بدَّل سيارته
بدَّل أصدقاءه..
جريدته اليومية..
حزبه..
نقشة قميصه..
توقيت ساعته..
تبغه المفضل..
الطريق إلى بيته..
.. وربما طول قامته!







كلما بدَّل سيارته
بدَّد أصدقاءه!



مسرح العرائس






أحس أحيانا بأني
كمسرح العرائس..
يتجول فيه ألف وجه
وألف أغنية قديمة
تتوه في الصخب والصمت!





زينة





أبدو..
كزينة العيد
لا تستقيم إلا للأطفال الأشرار
الذين يغضبون آباءهم.




الرغبة




الرغبة: مناديل معقودة على حبَّات القلب..
والزمن: حبَّات المطر على النوافذ المغبشة..
والوعود: ملاءات بيضاء بلون الفجر على حبال النسيان،
مهملة الحضور..
والعصافير: إذ يدعوها العشق تتلون بقوس قزح
على أعمدة الظل المنتصبة حزنا
والأشجار: لو تموت.. تموت واقفة في المدفأة الغائرة
في تجاعيد الروح الصدأة..
وأنا: لا شيء
أنا لا شيء.





ورد




(1)
نون..
والقلم وما يسطرون..
وهذا الفرعون الملعون..
هل تأتي الكاف من كفٍ..
والنون من نابليون؟!











(2)
نون..
والشعر الذي يكتبون..
والحداثيون..
ليس الشاعر مجنون..
ولا المتبعون ضالون..





الكتابة





آه أيتها الكتابة..
ها أنا أحاول استعادتك..
القبض على انفلات لحظاتك الضنينة..
فهل هممت بي مثلما هممت بك..
هل تمنحينني بكارتك..
أفضها آنـّا شئت!










آه أيتها الكتابة..
أيتها الدهشة التي تعلقني في الفضاء..
عنقودا لم يتقرر ما يُفعل به..
آه أيتها العصية على التحقق..
المفلتة من المدارات..
الشقية بنا
نحن الأشقياء بك.










أيتها الكتابة الصديقة..
ما عاد بوسعي سوى التهام فتات الموائد.
الجوع أيتها الصديقة..
الجوع كافر أيتها الصديقة المدللة..
وأنا مشتت بين جوعي وبين توقي لروعة الاكتشاف..
أنا في شتات أيتها المخلصة الوفية..
فهل تمنحينني يد أثق فيها دون الأشياء كلها؟

2006 






غفران

لن أمنحهم غفراني..
أريدهم أشقياء كلهم..
أريدهم في الجحيم جميعا..
الجوع كافر..
والعدل حسن..
هكذا الرب قال..
(ألم يقل؟!)








أريدهم في الجحيم جميعا..
الجوع كافر..
والعدل حسن..
وأنا لم أعد قادر على مناولة القرابين..
ولا على منح الغفران..
ولا على إدارة خدي الأيسر..
لم أعد ذلك القادر على ملامسة الشمس في صحوها..
ولا على امتلاك طهارة البدايات..
ولا على أن أعود كما كنت..
أغنية..
أو عصفورا..
أو شجرة..








أنا الذي يهيم في شتاته..
يجوع ويظمأ..
ويلتهم فتات الموائد..
هل من رجاء؟
هل من أمل في البكارة؟
هل من حنو؟
ألا أيها السخف المضني , هل من براح؟
2006


رومانسية

حين نَسقط مُرهقين
من الرواح والمجيء
والرواح والمجيء
من الأمل
وإلى العمل
من العمل
وإلى الأمل
في طاحونةٍ عبثيةٍ
لا يوقف إيقاعها سوى مصادفة أن نلقى صديق قديم في انعطافة ما
فيُبعث الماضي بحلوه كله
فنُسقط من ذاكرتنا أن مدرس ما قد ذنَّبَنا طوال حصة الرياضيات
أو أن أمنا قد غافلتنا بصفعة من يدها منهية مشاكساتنا
أو أن حبيبة سخيفة قد بعثرت بكرامتنا أرض الحي
أمام صبيان الحي
ولا يبق من ذكرياتنا غير لحظة حنين لماضي لن يعود أبدًا
فإن شبابنا حينها يكون قد غافلنا
وقد أوشك الرحيل


مزحة








رأيتني في الصباح أكتشف أن شخص ما قد أفرغ إطارات سيارتي عمدًا
وأنه ـ ويا للجرأة ـ قد ترك لي ورقة يخبرني فيها أن ثمة ألم قد سببته له يومًا ما
وأنه عازم على معاقبتي عليه
فترى
هل يكون الأمر مجرد مزحة؟



2006

نطاط الحيط



أيها السادة الأخيار
انتبهوا
لا تطمئنوا لخيركم
ولا تَركنوا لسمعتكم الطيبة
ولا لسلوككم المُرضي
ولا تتفاخروا بأنكم قد فعلتم أفضل ما يمكن أن يفعله بشر
حتى وثقتم بأن أفعالكم وخصالكم يجب أن تدرَّس لأجيال وراء أجيال
انتبهوا أيها السادة الأخيار
الأفاضل الأطهار
فداخل كل منكم شرير صغير يحبو
ينتظر فرصته كي ينط
وينط
وينط

2006



فتافيت امرأة






هي: فتافيت امرأة
بيضاء.
في الشفاه حُمرة رخيصة.
أثداؤها زرقا،
فلطالما دعكها العابرون
تنتظر ابن الحلال الذي يحميها من العابرين
ويُعلن ـ في وجوه أصحاب الألسنة الفاجرة ـ
أن امرأته عذراء
كانت على استعداد أن تعيد بكارتها على يد طبيب باب اللوق
لكنه راودها عن نفسها!





وهي: تبكي الآن ـ عارية ـ على الأرض
ملقاة في ركن الحجرة كبقايا خبز
لا تزال ناعمة كزجاجة بيرة
وساخنة كثأر قديم
أثداؤها زرقاء لم تزل
عيناها كذلك
ضربها ابن كلب كي يشحذ الرغبة وأشياء أخرى
رماها على البلاط المترب
صفعها
وضحك
وصفعها
وضحك
وصفعها
.. ضحك
ثم استلقى فوقها
كأنها وسادة





أمرها أن تصرخ
أمرها أن تقول: يا فحل
وأن تقول..
فقالت!
...





نفضت عنها دموعها
بينما تسحب نفسها من بين الفراش والملاءة
لملمت ملابسها
أعادت أصباغ الوجه
رحلت تبحث عن العابرين أصحاب الوعود
وتنتظر ابن الحلال
.... 





(أنا كاذب مثلهم جميعًا)
هي: فتافيت امرأة
ليست بيضاء
لا احمرار في الشفاه
أثداؤها ليست زرقاء تمامًا
تنتظر ابن الحلال
وتثق في مجيئه
فهل يجيء؟




هي. النهر. القصاب





وقفت عند انحناءة النهر،
جنوبية كانت،
صبية،
بضفائر كانت،
قالت للنهر:أنت كما أنت..
فقال النهر: أعشق تباريح الهوى..
(غمرت بشرتها الكهباء حمرة الشمس وقت الأصيل)












بعد ألف عام, عادت.
وقفت عند انحناءة النهر،
توحـّد ضفائرها في ضفيرة واحدة كثيفة،
قالت للنهر الشيخ: أنت كما أنت..
فقال في هوادة: الموت كالحياة لا حياء عنده.
(رهنت ـ هي ـ عمرها عند القصاب. قالت: أشتري خبزًا ونبيذاً)










بعد ألف عام, عادت.
وقفت عند انحناءة النهر،
بلا ضفائر،
وبلا بكارة الأيام الطيبة الودودة،
بكت للنهر ولم تقل.
(ارتمى النهر على فخذها المجعـّد. ومات. وماتت)










بعد ألف عام..
لا نهر..
ولا جنوبية..
ولا ضفائر..
ولا بكارة الأيام الطيبة الودودة..
ولا قلب أبيض كالحليب..










بعد ألف عام،
القصاب،
وامرأته العجفاء،
وابنها البليد،
والخنازيــــر!


ليلة القدر


الغناء حتى الفجر ظل
طرب وثمالة وعشق
أشياء تبهج القلب الحزين
كقوس قزح فوق الماء مفروش.
أنا, أحمل أخطائي فوق ظهري,
غير نادم عليها
ولكني واجف،
أرتجف من التفكير في ما بعد الموت
ارتجافي من التفكير في ما بعد الحداثة
الموت نفسه لا أباليه
إنه لا شيء وحسب
لا حياة
لا ..
ليس (لا زخم) يثقل عليك
بل هو لا (زخم) يثقل عليك.










الأصيل
كل شيء يبدو ـ وقتها ـ رائعا
كأنما خلقه الرب لتوه
الملائكة تغادر سماءها وتسكن ورقات الشجر وعيدان النعناع
الشاي على المقهى يحمل رائحة الأصدقاء
والأصدقاء يكون لهم عطر الوطن الحزين
حزن سيجارة الكليوباترا









في المساء تغادرني الأشياء كلها نحو مكان مجهول
(لا مكان) يضمني بحنو ورغبة
ولكني,
أخاف كثيراً من الظلام
وأخاف من المرأة التي تكون حاضرة في سريري
إنها لا تكون حاضرة لها سمت الغياب
بل تكون غائبة لها سمت الحضور
إنها (لا أنثى) في سريري
أقصد أنه لا (أنثى) في سريري!







العيد..
وقداس الملائكة
انسجام يخامر الروح،
أنا الذي آمن بالإنسان
وعبدته
هذا القادر على كل شيء
هذا الذي هو أنا
والذي أنا هو
أنا المانح..
أنا المقتر..
أنا الواهب..
أنا المانع..
أنا الذي أحيي وأميت..
وأزرع الزرع..
وأضاجع الماء فوق نبات الأرض..
أنا الموصوف بالخير والشر..
الموسوم بالحقيقة والوهم..








أنا العابد والمعبود..
أنا ما ينفع الناس..
أنا زبد البحر..
أنا النافع..
أنا الضار..
أنا القادر على تسمية الأشياء بأسمائها..
وبغير أسمائها..




البرتقال



أباح لنا الليل اكتشاف روعة النهار المخبوء خلف نوايانا الطيبة
وبينما البرتقال يُزهر,
كنا على الأرصفة نرقب تعاسات عابرة
وفتاة تكشف عن نصف ثدييها
كي تشحذ الأحلام المسائية بنعومة الوسائد الغضة
ثم تجري,
تستحم في النهر,
وحين تغادره,
مُنسحبة من احتوائه,
يوشك
ـ النهر ـ
أن يلقي بجسده على الشمس
بينما الشمس تُزهر
كالبرتقال.




الحبيبة حين قالت





قلت
فقالت
فما أعوزنا شئ.








قلت
فقالت
فانسحبت من فنجان القهوة البارد
ومن استدارة حبات الأسبرين
ورخاوة دخان السجائر
ولُذت بالإبحار في الحقول
عبر النافذتين المزغردتين
وبروعة النفاذ إلى المستحيل
صادقت الناس في المترو
حتى بعد أن ألقاهم المترو فوق المحطات.









قلت
فقالت
فوجدت الله
عرفني
وعرفته
ابتسمت محيياً
فابتسم مرحباً
فغفرنا الخطايا العشر
والخطايا الألفين
وأمتعتنا الصحبة.





انتظار

وهج الرغبة المغامرة, يخبو
وإذ يبادره ألق الغيبة والبعاد
يخر من عناء الاستهامات العنيفة,
ويظل.
والحاجة إلى البكاء تدلف في أروقة المسافات
وفوق بلاطات الافتقار الرخامية الصلدة
والبكاء ـ وقتها ـ
ووقتها فحسب ـ
يغدو طقساً لممارسة الإفلات من المدارات.
وغايته ـ تكون ولا تكون ـ
تحرير الروح المنهكة من حرارة الشمس اللاهبة
المفزعة
المحرقة لأجنحة فراشات اليم والأرض الطين.






يوتوبيا


( في الثانية صباحاً ـ قلتِ ـ سوف نُسكب ـ سوياً ـ في ذبذبات الهاتف ـ مملكتنا اليومية المفتقدة ـ وسوف ـ قلتِ أيضاً ـ ننسحب من هذا العالم ذو الكركبات, ونولج في اليوتوبيا ـ تلك التي غرّنا أنها موشكة على التحقق ـ ونستبيح التابوهات كلها ـ في الهاتف ـ ونعتنق مفردات اللغة اليومية (بحبك .. مفردة عامية مصرية تعني أحبك ... وتتوازى مع أن الحياة هكذا ـ وهكذا فقط ـ تصبح ممكنة .. ومحتملة .. وقابلة للمصالحة) وهكذا ـ قلتِ , فأبنتِ , وكشفتِ عن عناقيد الأناجيل (الله محبة)
..
توسمتُ في الحياة حيوات.

ا



المجد للزمن




هو الزمن إذن!
وامتدت يدٌ
تطفئ الوهج في العين
والنار في القلب
ويوشك الهاتف أن يطرق الباب على الغريب
في هجعته المباركة










هو الزمن إذن!
وامتدت يدٌ
تسرق الزهر من البستان
والغناء من الروح المغرِّدة
ويوشك الهاتف أن يرين للغريب
في الظلمة الداكنة










هو الزمن إذن!
وامتدت يدٌ
تمحو البهجة الغامرة
والدفء من القبلة العابرة
ويوشك الهاتف أن يسدل الستار على الغريب
وعلى النهاية الدانية






يا أيتها النفس المحطمة
قولي معي:
المجد للرب في الأعالي
وللزمن في المدينة المهدمة
فليس ثمة من أمل
في العروش الخاوية
وليس ثمة من أمل
في القطوف الدانية
وليس ثمة من أمل
ليس ثمة من أمل..



أكتوبر2006




عاد الشتاء






عاد الشتاء
فأُغلقت نافذة.
وتحدَّرت دمعة، طوال العام ظلت عالقة








عاد الشتاء
فأُغلقت نافذة.
وتسربل العاشق بشراشف الحزن المقيم
وتحررت أغنيةٌ
ظلت طوال الليل ترقص عارية
فتعلم العاشق الأسماء كلها
هذا كتابٌ
وهذا مشد للصدر
وهذه بهجة..



يناير 2007 




مواطن أسبرطي صالح



لكم أنت مسكين
أيها المواطن الإسبرطي الصالح
تتبع
ـ عن رضا ـ
علامات المرور كلها
قف.. تقف
سر.. تسير بك أرض الله الواسعة
تحط بك هنا وهناك
في إيقاع ملون بالأخضر والأحمر والأصفر
كأنما حياتك رهن ألوان ثلاثة









ألوان ثلاثة حمقاوات
وأحمق ما فيها أنها محايدة
لا تعبر عن شيء
ولا تريد لنفسها شيئاً
ألوان ثلاثة أُجبرت مثلك على أن تقول فقالت
قف..
سر..
أو انتظر..
لا تتعجل.
فالعمر قدامك
أو خلفك
َمن يهتم؟!









ماذا لو لم يكن الأحمر أحمرًا؟
لو أن الأحمر أخضرًا مثلا
أو لو أنه
ـ في لحظة تمرد لا تنتمي للزمن الإسبرطي ـ
كان بنيًا أو أزرقا
أو..
ويا للطيش
كان رماديا
كيف كانت تسير بك الدنيا؟
أو كيف كنت تسير بالدنيا؟








ألأنك مواطن إسبرطي صالح
كنت ستموت خجلا
لأن الأوامر لم تصلك بعد
أو أنك كنت ستصلي لنفس آلهتك منتظرًا البشارة
أو أنك كنت سوف تتلاشى قطرة فقطرة في المدى الواسع
تحت ضريحك
كيما لا يدور عقلك بالأسئلة
فتصبح في نظر نفسك
وفي نظر إسبرطة كلها
لا مواطن
ولا إسبرطي
ولا صالح!











آه أيها المواطن الإسبرطي الصالح
لكم أنت بشري جدًا !





moon

لها فم دقيق
ملحق ـ دوما ـ
بابتسامة كبيرة رائعة
كإمضاء إلهي التكوين
على صفحة الوجه الناعم
يجتاز بي عتبات اللذة كلها
ويرديني برفق
فيترك في قلبي جرحا غائر
كنقش فرعوني قديم
يروي قصصا لا تنتهي
عن أزمنة بعيدة بعيدة
لها حضور مقيم
في ذاكرة المحبين


يناير 2007 



تفاصيل


يا أيها الفرح المسكون بالريبة
ويا أيها المصلون خلف الضجيج
اللعنة على من اتبع الهوى
والجنة للشياطين المحبين للتفاصيل الصغيرة
المجد للتفاصيل الصغيرة
المجد لنا
نحن البشر
نحن الذارفون عرق المحبة
الزارعون الدفء والحنطة والأقحوان



يناير 2007 






أصدقائي الأنتيم
(إلى أصدقائي الأنتيم.. طبعا)

أصدقائي الأنتيم
لا يقرءون بورخيس
لأنهم لا يعرفونه أصلا
ولربما ظنوا أنه لم يوجد قط
من يحمل مثل هذا الاسم المضحك
بورخيس..
بورخيس..









أصدقائي الأنتيم
لا يقرءون الجرائد
فهي محض كلام
ولو أنهم يعودون كل جمعة
ـ بعد قضاء صلاتهم ـ
متأبطين العدد الأسبوعي للأهرام
فهو ـ كما يقولون ـ
يصلح لأغراض عدة
ليس أهمها تغطية المائدة
في موسم الولائم




أصدقائي الأنتيم
لم يقرءوا كتابي الوحيد
رغم أني أهديت كل واحد منهم نسخة
موقعة بإهداء ودود
..
(لست أعرف إن كان أحدهم قد تخلص منه
كحل عملي مدهش لغياب رف يصلح لكتاب
أو أن غيره قد ألقى به في ركن قصي
فربما فاجأته نزوة طارئة في نهاية العمر
أو أقعدته السنين
فاستطاب الذكرى.
ولكني أعرف أنه الآن
ـ أي كتابي الوحيد ـ
صار يجاور كتب الشعراوي ومصطفى محمود
كإصبع سادس
لا يحتاج إليه أحد)








أصدقائي الأنتيم
يملأون الأرض صخبا وعيالا
وآلهة من التمر
كأنما الأرض لهم وحدهم
وكأنهم يعيشون أبدا
وكأن الرب قال لهم
(لهم وحدهم) :
لكم الأرض فامرحوا فيها
ولكم النساء فاقضوا منهن وطرا جميلا
ولكم المقاهي فانعشوا صدوركم تبغا وحلبة







أصدقائي الأنتيم.. سعداء
يسبون البلاد أحيانا
ولكنهم.. سعداء
يتندرون على ملك البلاد أحيانا
ولكنهم.. سعداء
ويشتكون من أشياء كثيرة كثيرة
ولكنهم.. سعداء
ويتجهمون أحيانا
ولكنهم.. سعداء
ويبكون في حضرة زوجاتهم
ولكنهم.. سعداء 






ثم نظر الرب إلى الأرض وقال:
ما دامت السعادة في الأرض
والخبز في الفرن
والعدل في الكتب
فطوبى للسعداء من أبنائي
وللأصدقاء المبرة
وعنه أنه قال:
هذا حسن!



فبراير 2007






امرأتي الجميلة الطيبة




يولد العالم في عينيك وينتهي
ما أحلاه من عالم
مسكون بالسحر والتجلي
وبعناقيد طابت
فاستطابت للعين لآلئ مسحورة
وللرب فيه حضور ومقامات
ما أحلاه من رب كريم
يخلق العالم في امرأة
يموج في مسامها حنيَّة وحبور












يا امرأتي الجميلة الطيبة
لكم أحب أن أولد في شفتيك
نداء جميلا
فيحيلني إلى محض اسم
اسم رائع الأحرف والتشكيل والإيقاع
فتمدين الألف إلى نهاية العالم
وتطوين العالم ـ مرة أخرى ـ في سكون الميم







لكم أحب اسمي
حين تنطقين به
فكأنما خلق لتوه
ممهورا بخاتم الرب ذاته
يا امرأتي الجميلة الطيبة
يا امرأة يحبها الرب
ويصلي في محرابها عاشق مقيم
له اسم يمكن أن ينطق
بكل هذه الروعة المبهجة



فبراير 2007


مصر
(إلى وائل..
وحده يعرف السر!)
في حصص الرسم
كان يطلبون منا أن نرسم بلدا
اسمه "مصر"..
العمليون منا
كانوا يرسمونه مربعا كبيرا أصفر
والعاطفيون منا
كانوا يرسمونه امرأة جميلة
بثوب أخضر
وثديين عفيين
يدران حليبا وسكر
أما أنا
فكنت أهرب دوما من حصص الرسم
فلم يكن في مقدوري
ـ وأنا الطفل الصغير ـ
أن أرسم وجعا!

لغة

كان لي عنقود..
كان عنقود لي..
لي عنقود.. كان..
كان لي عنقود أخضر زاهيا..
كان عنقود لي وكان خضاره زاهيا..
لي عنقود.. كان، زاهي خضاره..
كان لي عنقود أخضر زاهيا ساكن في قلبي..
كان عنقود لي وكان خضاره زاهيا وكان يسكن قلبي..
لي عنقود.. كان، زاهي خضاره وفي قلبي يسكن..
...
وكان لي حبيبة..
وكانت لي حبيبة..

12 June 2011

ماي نيم إذ جاك


افتتن المصريون بالفيلم الهندي الذي عُرض مؤخرا "My name is khan" أو اسمى خان. منبع الافتتان أن خان حين يواصل الكشف عن براءته وعرضها على العالم الغربي يكون في الوقت نفسه يرد اعتبارنا الذي فقدناه ـ ككائن مصنف تحت لافتة مكتوبة بالعربية ـ ولهذا فإنها تثير القلق ـ بعد الحادي عشر من سبتمبر.
من مفارقات الحضارة البشرية أنها تترك نفسها أحيانا عرضة لأكثر البشر جهلا. لهذا أمكن للرئيس الأمريكي السابق بوش الابن أن يقطع بأن العالم صار مقسما بين عالمين، عالم الأخيار وعالم الأشرار، مستخدما كلمات كان قد سمعها من قس اعترافه لإضفاء طابع مقدس على جهله. العبارات المستعارة من الكتاب المقدس والتي صيغت في خطاب بوش بعد النكبة لم تقنع البشر الذين يعيشون في الغرب فحسب، بل إنها أقنعت البشر الذين يعيشون في الشرق أيضا، وبدلا من أن يحاولوا إقناع العالم بأنهم ليسوا (الأشرار) في دراما العصر الحديث، حاولوا رد الصاغ صاغين فواصلوا التأكيد أن الغرب هو مغارة الأشرار الاستعماريين المتآمرين الصليبيين.
يمارس البشر لعبة ماكرة لتغذية سوء الفهم المتبادل بين العرب والغرب، مدارها صياغة مفهوم للذات على أرضية توراتية توراثتها الديانات التالية، وهي الديانات التي صاغت الثقافة بشكل مؤثر للغاية. في التوراة ثمة شعب مختار وثمة أغيار، ولأن الاختيار "رباني" فإن الأغيار موسومون باللعنة دائما. ولأن البشر كائنات تفضل أن ينوب عنها الأخرون في التفكير واتخاذ القرار فقد استسلمت كل جماعة بشرية لفكرة أنها أخيار الله ومختاريه وأن كل ما هو خارج دائرة نفوذها أغيار يستحقون اللعنة.
يصرف العرب جهودهم في لعنة الغرب لأنه لم يحاول فهمهم كما ينبغي لهم أن يُفهموا، ككائنات مُنيت بسوء الظن فتم تصنيفهم كإرهابيين بينما هم ليسوا كذلك. على الرغم من أنهم لم يتخذوا أي خطوة في فهم الغرب كما ينبغي له أن يُفهم، ولم يفكروا في أنه ليس من اللائق تصنيف الغرب كله تحت لافتة واحدة.
البشر للأسف ـ وهذه واحدة من مأسي الحياة ضمن مجموع ـ يفضلون التعامل مع الآخر باعتباره كتلة واحدة. نحن (ولا أعرف على وجه الدقة ما أعنيه بكلمة نحن) نفضل التعامل مع الأوروبي مثلا ككائن مفرد، في حين أننا حين نحاول التفكير في القوميات الأوروبية فإننا نميل أيضا للتعامل مع كل قومية باعتبارها كتلة واحدة، لهذا أمكن تعريف الألماني بأنه نازي، والإيطالي بأنه همجي، والفرنسي بأنه حسي، والإنجليزي باعتباره متعجرفا، والسويسري باعتباره الشخص الذي يخفي رصيده المالي. ليس هذا فحسب بل إنه لهذا أمكن تعريف المصري بأنه فكه وذليل، والجزائري باعتباره عصبي وعنيف، والسعودي باعتباره برميل نفط وهابي.
لدواعي الاستسهال يواصل الإعلام إعادة تدوير تلك الأساطير في الشرق والغرب بسبب حماقة التفكير في الآخر باعتباره (الشرير) لمجرد أننا ـ كل جماعة بشرية ـ نظن في أنفسنا خيرا. لهذا فقط اختار مؤلف "اسمي خان" أن يكون خان متوحدا. ولهذا فقط فإنه من المقدور لشخصية مثل جاك في فيلم متخيل بعنوان "اسمي جاك" "My name is Jacques" أن تكون شخصية متوحدة. إن طرق صياغتنا لمفهوم الذات طرق لا عقلانية بالمرة. إننا كمنتمين لثقافات مُصابة كلها بمرض التوحد لا يمكننا الانصات للآخر، بل نتعامل مع المنصتين له بحذر، معتبرينه متواطئا وخائنا. لأن العصر الحديث كله موسوم بالأصولية الدينية التي أعادت صناعة الأسطورة التوراتية: الأخيار والأغيار.
في عام 1999 تعرفت ضمن فريق مسرح بلغاري على ممثل شاب خفيف الظل للغاية، فقط في الأيام الأخيرة عرفت أنه يهودي. خفة ظله بالطبع لم تجعلني أقوم بتعريف اليهود باعتبارهم كائنات خفيفة الظل، فقط أمكنتني أن أحكي أنني تعرفت ذات مرة على شخص اسمه ستيفين، وأن ستيفين كان يهوديا وخفيف الظل. وأحسب أن مداعباتنا ومناقشاتنا طول أسبوعين لن تجعله يُعرّف المصريين جميعهم بأنه ذلك الشخص الذي يسمى حاتم حافظ والذي التقاه في القاهرة. لهذا يبدو الاسم كشيء لا يجب تجنبه في الحديث، إن خان في الفيلم هو خان وليس ممثل المسلمين، لأن براءة خان من الإرهاب لن تمحي حادثة أن ثلاثة آلاف شخص قد لقوا مصرعهم في نصف ساعة بسبب شخص كان مختفيا في أحد سهول باكستان، لأن هذا الشخص له حضور حقيقي وليس أسطورة فحسب. كما أن طيبة قلب خان لن تجعل الغرب يفكر في المسلم باعتباره ليس الشخص ذي الأصول العربية الذي يتاجر في المخدرات ويتزوج عدة نساء مختفيات أسفل نقاب، لأن هذا الشخص ـ هو وزوجاته ـ أيضا ـ له وجود حقيقي وليس أسطورة فحسب.
أما براءة جاك في الفيلم الخاص به فلن تمحي أبدا خريطة ضحايا تجار الحروب في العراق وفلسطين والسودان وأفغانستان، لأن تجار الحروب الأمريكيين لهم وجود حقيقي وليسوا أساطير فحسب. بالقدر نفسه الذي لم تمح خفة ظل ستيفين الشعور بالمرارة الناتج عن ممارسات الصهيونية العالمية، لدرجة أنني تعمدت التأكيد على أن جبل موسى موجود داخل الأراضي المصرية لمجرد أن هذه المعلومة قد استفزت فيه صهيونيته المستترة.
ليس علينا الدفع بالمزيد من الدفاعات، كما أن علينا الكف عن مطالبة الغرب بدفاعاته، لسنا إرهابيين وإن كان بعضنا كذلك، كما أن الذين يسكنون في الغرب ليسوا استعماريين وإن كان بعضهم كذلك. يمكننا بذل المزيد من الجهد في التعرف على أسمائنا وأسماء الآخرين، هؤلاء الذين لن نعرفهم حق المعرفة ولن يعرفونا كما تنبغي المعرفة إلا إن تلاقينا فتصافحنا وخاطبنا بعضنا البعض بأسمائنا مستبعدين التعامل وفق تعريفات للبشر ككتلة واحدة صماء ومستوحدة، Hi.. my name is khan.. Hi my name is Jacques.

16 January 2010

الكرامة والثقافة

دعتني الصديقة الكاتبة سمر نور للمشاركة في ملف بعنوان الواقع الثقافي وفكرة الكرامة، وكان سؤالها التأسيسي للملف: هل يكرس الواقع الثقافي لفكرة الكرامة.. أم لا؟ وكيف يتفاعل هذا الواقع مع أفكار كهذه سلبا أو إيجابا؟ والحقيقة أني وجدتني كما لو كنت في حلم تتابع مشاهد الواقع الثقافي المحبط للغاية أمام عيني ككابوس. منذ فترة أخبرني كاتب ستيني كبير أنه بصدد اتخاذ قرار بالتوقف النهائي عن الكتابة.. كتابة الرواية تحديدا. قال "إن الواقع الأدبي لا يجعل من كتابة الرواية فخرا لأحد". كانت انفجارة الرواية قد اتخذت مسارات عنيفة جدا، حتى قلت ذات مرة إن الرواية أصبحت تُكتب من باب الوجاهة الاجتماعية. تصدّر قوائم الأكثر مبيعا المشهد الروائي جعل من الكتابة رديفا للتفاهة، انتقلت كتب الأرصفة إلى أرفف المكتبات، حتى الرصينة منها كدار الشروق، حين ارتكبت ما أظن أنه أكبر جريمة أدبية في العصر الحديث: طباعة المدونات.

ووجدتني أتساءل: الواقع الثقافي هل يكرس لفكرة الكرامة.. ما هو الواقع الثقافي؟ إذا كان لدينا واقع ثقافي فهل يكون الواقع الثقافي مقابلا للمتخيل الثقافي؟ إذا فكرنا على هذا النحو فهل معنى هذا أننا بإزاء ثنائية مادية وذهنية؟ هل يمكن فصل الواقع الثقافي الذي يمكن إجماله في العلاقات بين المثقفين بعضهم البعض وبين المثقفين ووزارة الثقافة ومراكزها وهيئاتها وشاغلي مناصبها وبين المثقفين والسلطة وبين المثقفين والجهات المنوط بها الشغل الثقافي.. هي يمكن فصل هذه العلاقات المادية عن المتخيل الثقافي الذي يصنعه المثقفون؟ هل يؤسس المتخيل الثقافي للواقع أم أنه يرتكز على الأخير ويتأسس عليه؟ في ظني أنهما معا يؤسسان لما يمكن تسميته بالخطاب الثقافي والذي لا يمكن عزله عن علاقات القوة لا في المجتمع الثقافي فحسب ولكن عن علاقات القوة في المجتمع الكبير. وهي علاقات تتأسس أساسا على مرجعيتين أولاهما سلطوية استبدادية وثانيتهما أصولية دينية. تتشارك المرجعيتان الآليات نفسها من قمع واستبعاد وإقصاء وعزل. ذلك أن كليهما لا يمكنه مبادلة الآخر المختلف صك الاعتراف، فكما أن الأصولية الدينية لا يمكنها الاعتراف بالآخر لأنها تستند على العقيدة ما يعني أن قبول الآخر يعني بالنسبة لها انتقاص من العقيدة وتشكيك فيها فإن السلطة الاستبدادية لا يمكنها قبول الآخر أيضا لأنها تستند هي الأخرى على الاعتقاد في امتلاكها الحقيقة لإيمانها أن من يملك القوة يملك الحق لا في ممارسة القوة فحسب بل وفي البطش بها أيضا. ولخلطها بين السيادة والصلاحية ظنا منها أن السيادة والشيوع دليل صلاحية.

على هذا لا يمكن تصور أن الخطاب الثقافي ـ وهذا حاله ـ يمكن أن يمنح أينا ما يعرف في علم الأخلاق بالكرامة الإنسانية، وهي مبدأ أخلاقي يعني أن الإنسان غاية في ذاته وليس أداة أو وسيلة، ما يعني أن الإنسان ليس رقما في جداول انتخابية يتم استدعاؤه دون إرادته، وما يعني أيضا أن الإنسان ليس مخلوقا لتقديم القرابين، فالكرامة تعني أن تحترم السلطة ـ أي كانت ـ الرغبة الإنسانية في مخالفتها والاعتراض عليها كما تعني أن من حق الإنسان أن يكون معارضا بالقدر نفسه الذي يحق له أن يكون ناقدا للعقيدة مخالفا لها.

الخطاب الثقافي لا يؤسس للكرامة الإنسانية لأن الاستبداد السياسي والأصولية الدينية لا يخلقان إلا كائنات خانعة تستجدي الجوائز أو تحصل عليها مقابل خدمات، لهذا يمكننا فهم كيف تتصالح جماعات الهيمنة الثقافية مع الأصوليين في بعض مواقفهم ما يتمثل في منع بعض الكتب من قبل جهات ثقافية حكومية والتلويح بحرق الكتب العبرية وما إلى ذلك من مواقف متراوحة بين مداهنة الأصولية لخطب ودها أو لمنع غضبها المحتمل وبين تجميل صورتها بين الحين والآخر أمام المجتمع الثقافي. ما يحدث في الواقع الثقافي لا يؤسس إلا للاستبداد، الاستبداد السياسي والفكري والديني.

فضلا عن ذلك فإن تحول السلطة نفسها للنسق الرأسمالي غير المدروس فرض آليات السوق على الخطاب الثقافي ولهذا تتسيد قوائم المبيعات على المشهد، للدرجة التي يمكن لأي من كُتاب المدونات أو كاتبي الحكايات السطحية المباهاة بأن كتابه قد نشر أكثر مما نشر سيد الرواية العربية نجيب محفوظ، ففي الوقت الذي يمكننا قراءة عبارة "الطبعة الثالثة عشر" على كتاب شديد التفاهة يكافح أكثر الكتاب موهبة لكي يقنع ناشرا بطبع كتابه. الخضوع لآليات السوق أيضا هي التي جعلت من معرض الكتاب سوقا رائجة لتوزيع الكتب الأصولية بديلا عن قيامه بدور تنويري حقيقي، لأن العبرة بمن يدفع ودور النشر القادرة على تأجير أفضل الأماكن في معارض الكتاب هي الدور التي تبيع أكثر وهي بالطبع دور نشر الكتب الأصولية، كما لو أن السلطة الاستبدادية قد منحت الأصولية الدينية تأشيرة مجانية للإقامة الدائمة.

الاستبداد السياسي والأصولية الدينية الحاكمان للخطاب الثقافي بالتأكيد لن يجعلا للكرامة الإنسانية حضورا طالما الاختلاف غير مسموح به. وعليه يمكن فهم كيف تتعرض رواية جادة مثل "أبناء الجبلاوي" لابراهيم فرغلي للملاحقة الرقابية في حين تمرر آلاف الكتب التافهة. إن ما يخشاه الاستبداد السياسي والأصولية الدينية هو عمل جاد يمكنه ترك بصماته على الوعي الجمعي، في حين يرحب الاستبداد السياسي والأصولية الدينية بالمخدر الذي تطلقه الكتابات الساخرة والركيكة والجهولة حتى ولو بدت هذه الكتابات كأنها تتعرض وتسخر من هذا الاستبداد وهذه الأصولية، بنفس القدر الذي يسمح به النظام بكل هذا الصراخ في الصحف المستقلة لأنها بينما تشحن القراء عاطفيا فإنها لا يمكنها تحريك وعيهم، فتكون النتيجة على المدى القصير والبعيد شعور عام بالإحباط، والإحباط لا يشجع الشعور بالكرامة. أم أنه يشجعه؟!

28 September 2009

أسطنبول باموق.. أتاتورك.. الحداثة والشجن

في روايته "اسطنبول.. الذكريات والمدينة" 2003 يقول باموق "لقد وصفت نفسي عندما كنت أصف المدينة ووصفت المدينة عندما كنت أصف نفسي" كاشفا عن منهج روايته التي يتداخل فيها النظر إلى الداخل والنظر إلى الخارج، حيث تتماهى ذات الراوي/باموق في مدينته التي يصمها بالسوداوية طوال فصول الرواية، وفي رأيي أن كلمة السوداوية ليست هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق فما يشير إليه باموق يمكن ترجمته بالشجن وليس بالسوداوية ولا بالحزن كما ورد في ترجمة الرواية، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.

ما يحاول الراوي مقاربته طوال الرواية ليس منح المدينة ولا ذاته طابعا حزينا كما لو كان يرسم لوحة باهتة الألوان، ولكن ما يحاوله هو مقاربة الإشكالية التي تمنح المدينة/الذات هذا الطابع الحزين أو إن شئنا الدقة: هذا الطابع الشجي. وما أتصوره أن ما وراء هذا الشجن هو الوضع الإشكالي للأزمة التركية كدولة تقع في منطقة المابين، كذلك فإن التاريخ الذي يتكلم عنه باموق ويسنده إلى مدينته يقع أيضا في منطقة المابين، كما أن باموق نفسه كمثقف تركي يشغل منطقة المابين كما سنرى. المهم أنه رغم ما في الرواية من إسهاب في وصف اسطنبول وتفاصيلها وشوارعها وميادينها (ميدان تقسيم بخاصة) فإن مرتكز هذا الوصف يبدو في الجهة الأخرى وأعني بها البوسفور. إلا أنه يمكن القول إن الرواية ـ رغم تمازج التاريخي بالجغرافي ـ فإنها ليست عن التاريخي ولا عن الجغرافي فلا يجب أن ننسى أنها رواية وأنها كتبت بيد كاتب روائي وليس مؤرخا، وهذه أزمة أخرى في علاقة باموق/الذات الراوية بمدينته.

ولأنها رواية فإن الراوي يلتقط خيطا في إشكالية الدين التي يمكن عدها مركز الإشكالية التركية، مع ملاحظة أن الدين هنا سوف يناقش من الناحية الاجتماعية، وليس كعقيدة، بمعنى آخر فإن ما أفترض أنه قراءة صحيحة لإشكالية الحداثة في تركيا كما هي في كتاب باموق تتعلق بعلاقة الأتراك بالدين والتي ـ كما لاحظت ـ تصطبغ بصبغة اجتماعية، بل يمكن القول إنها طبقية كذلك.

عاش باموق في بيت لأسرة متوسطة عليا ممن اعتبروا أنفسهم ضمن نخبة من شأنها الحفاظ على الخط الأتاتوركي الذي حاول تأسيس تركيا غربية على حداثة مستعارة من الغرب، وكان في سبيل ذلك مضطرا لتقديم ذبيحة، كما اضطرت أسرة باموق لتقديم الذبيحة نفسها: الدين. ففي تركيا أتاتورك لم تكن هناك حاجة لدين معوق لمسيرة حافلة بالحداثة، ورغم ذلك كان الخدم في بيت باموق يصلون ويصومون كما لو أن أتاتورك لم يصل بعد. يبدو أن باموق قد تعاطف مع هؤلاء لأنهم ظهروا له كأشخاص "غير مؤذيين على عكس الرسوم الكاريكاتورية في الجرائد والفكر الجمهوري لأسرتي" يقول باموق. ولقد لاحظ باموق أيضا ـ كروائي ـ كيف أن عائلته التي لم تكن تصوم أبدا كانت تنظر إلى لحظة الغروب في شهر الصوم كلحظة ذات جلال. إن هذا الإجلال الذي حاولت أسرة برجوازية تنتمي للفكر الجمهوري أن تخفيه كان علامة على الإشكالية التي تكمن في صلب علاقتهم بالدين، والذي يمكن عده علامة على إشكالية علاقتهم بالتراث ككل، كان على تركيا أتاتورك أن تنتزع تراثها ولكنها في طريقها لفعل ذلك كانت تستسلم لشجنها البادي كنتاج للفقد والفراغ، باموق نفسه يصف الفراغ الذي خلفه الدين بخواء البيت.

ورغم أن باموق يشير أيضا إلى أن ما يشبه تقسيم العمل في بيته ما بين السادة العلمانيين والخدم المتدينين جعله يفكر في أن الدين ليس إلا عالم الفقراء وليس السادة فإنه يشير ـ رغم تعاطفه ـ إلا أنه لم يكن أمام السادة طريق آخر بديلا عن الاستسلام لخرافات المتدينين والتي كان من شأنها إعاقة الحداثة. لكن باموق ـ في رأيي ـ كان يؤرقه هاجس آخر في نظرته لإشكالية العلاقة بهؤلاء المتدينين، هذا الهاجس كان يتمثل في علاقته هو شخصيا كابن مدلل من أسرة متوسطة عليا إلى أحشاء المدينة وأكواخها التي تتساند على سكانها الفقراء، لقد كانت اسطنبول تعني هؤلاء الفقراء سكان الأحياء الفقيرة أكثر مما مثلته عائلته وعائلات كثيرة في الجوار.

يقول باموق "إنه كان من المريح أن نعرف أنهم يعتمدون على آخر لينقذهم وأن هناك قوة أخرى يمكن أن تحمل أعباءهم" وفي رأيي أنه يمكن إضافة استطراد على جملة باموق: "وأعباء طبقتي". بمعنى أن هذا الآخر الذي كانت تعوّل عليه أسرة باموق لتحمل أعباء الفقراء كانت أيضا تعوّل عليه في تحمل أعباءها هي ذاتها وهي أعباء نتجت عن قدر كبير من الإحساس بالذنب تجاه هؤلاء الفقراء. يشير باموق مثلا إلى أن عائلته كانت تواظب على تقديم الأضحية الإسلامية في العيد الأضحى بينما كانت تأكل هي نفسها من لحوم تأتي من المحلات الكبيرة في اسطنبول، لقد كانت هذه الراحة التي يتكلم عنها باموق "تتلاشى أحيانا نتيجة الخوف من أن الفقراء ربما يستخدمون ذات يوم علاقتهم الخاصة بالرب ضدنا"، لقد كان الخوف يتزايد إذا من الفقراء، ليس لتدينهم (الذي رُئي أنه معوّق للحداثة) ولكن لفقرهم. بمعنى آخر فإنه يبدو أن الحداثة التركية نتيجة لنخبويتها فرضت خوفا ثقيل الظل ليس من الإيمان ولكن من عقدة الذنب تجاه الفقراء والعامة سكان اسطنبول الحقيقيين.

من جهة أخرى فإننا يمكن قراءة الفكرة ذاتها في علاقة أسرته ـ والتي تمثل الحداثة الأتاتوركية ـ برغبته في أن يكون رساما. لقد بذل باموق ثلث عمره في تصور أن عليه أن يصبح رساما حتى أنه مع بداية مراهقته أصبح لديه مرسما خاصا، ورغم أن أفكار الحداثة التي تتبناها أسرته ـ والنخبة الأتاتوركية ـ كان من المفترض أن ترحب برغبته تلك ـ كأسرة حداثية ـ فإن أسرته استبعدت تماما أن يكون جادا في هذه الرغبة، أما حين تأكدت أسرته من جديته فإنها ـ ممثلة في أمه ـ حاولت إبعاده عن ذلك تماما، لأنها رأت أن ذلك لن يكون مقبولا إلا في أوروبا. لقد كانت تركيا ـ رغم الجمهورية ـ لم تصبح أوروبا بعد، ولذا كان على المتأوربين أن ينتظروا. باموق نفسه حين رغب في العيش كفنان بوهيمي أدرك أن تركيا لن تقبل بوهيميته، وكان عليه أن ينتظر أيضا.

ما كان عليه وأسرته أن ينتظروه هو التحول الحداثي كاملا وهو ما لم يكن متاحا بسبب الفقراء/المتدينين، لقد كان الفقر وليس الدين ـ في تصوري ـ وصمة في جبين الحداثة النخبوية التي كانت معتمدة من قبل أتاتورك والمؤسسة العسكرية التي يبدو أنها ـ في بنيتها العميقة ـ كانت تنتمي لما قبل الجمهورية. ما أقصده أن الانقسام بين النخبة الغنية والقاعدة الفقيرة، بين النخبة الحداثية والقاعدة المتدينة، بين الفكر الجمهوري وبين البنية الرجعية العميقة في البنيان التركي وصمت الانقسام بالـ "طبقية" طالما أن النخبة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ غنية وحداثية وجمهورية وطالما أن القاعدة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ فقيرة ورجعية.

ما يمكن ملاحظته أيضا أن ما كان يبث شعورا بالراحة لدى باموق وكثير من الناس لم يكن مشهد احتراق الأبنية الفقيرة وإنما حرائق اليالات (القصور الخشبية) التي كانت تحيط بالبوسفور والتي كان يسكنها فيما مضى السلاطين الأتراك ثم ورثتهم ثم الأثرياء الجدد في زمن الحرب. كانت هذه الحرائق مبعث راحة لباموق/الروائي ـ في رأيي ـ ليس لأنها بقايا الطبقات الرجعية ولكن لأنها بقايا الطبقات الثرية التي لم تكن حداثية بما يكفي للترحيب بتفرغ باموق للرسم، فهي كما صورها باموق طبقات تافهة لم تصنع لحياتها ولا لحياة الآخرين معنى، ولم تصنع حداثتها بينما كانت تلوك حداثات الآخرين.

في ملاحظة جديرة بالاعتبار يعلق باموق على المبالغات الكثيرة عن جمال اسطنبول التي كان يقوم بها كتاب أتراك غادروا تركيا وهو يفسر هذه المبالغات بأنها كانت "من حق من غادروها للعيش في بلاد أخرى فقط، ولا يخلو ذلك من الإحساس بالذنب". لقد كانت المبالغات في جمال اسطنبول تأتي عادة من الذين غادروها ازدراء لتخلفها ولم يمكنهم التغلب على الشعور بالذنب الناتج عن هذا الازدراء لمدينة لم تصنع حداثتها ولكنهم في الوقت نفسه قد هربوا قبل أن يصنعوها لها. يقول باموق "إن الشرق مكان رائع لو لم يكن الغرب" وهو يعني ذلك تماما فقط حين تتنازعه رغبته في أن تكون تركيا أوروبية وفي أن تكون تركيا تركية في الوقت نفسه. الرغبة في إخلاء البيت والرغبة في بقائه ممتلئا ودافئا هما طرفا الإشكالية وهما ما يسببان شجن المدينة والذات الراوية أو إن شئنا الذات الرائية.

إن الذات الرائية تكتشف اسطنبول في أحيائها الفقيرة التي تمد جذورها في أبعد تاريخ للمدينة بينما سكان القصر الجمهوري بمساندة المؤسسة العسكرية يتجاهلان الخواء الذي يمكن أن ينتج عن استبعاد هذا التاريخ. وفي رأيي أن أي حداثة نرغب في تأسيسها لا تأخذ بعين الاعتبار ولا الجدية هذا التاريخ الذي يسكن البشر لن تكون لها معنى ولن يكون لها مردود إلا مزيد من الشجن الذي لا نهاية له.

تربطنا بتركيا علاقة أكبر من التاريخ الممتد فيما بيننا ولنا أن نتفهم أزمة حداثتها إذا ما أردنا أن نجيب على السؤال: لماذا فشلت حداثتنا التي بدت قريبة في بدايات القرن العشرين. لقد فشلنا لأن أي حداثة لا تأخذ في اعتبارها الدين ـ من حيث هو تراث ـ لن يكون لها أتباع كثر، ولأن أي حداثة نخبوية تتجاهل القاعدة العريضة حتى ولو كانت مدعومة بمؤسسة ما لن يكون لها فاعلية، ولأن أي حداثة تقوم على ثنائية طبقية ما بين من يستفيدون من الحداثة دون أن يصنعوها (طبقة الأثرياء الجدد في مصر مثلا) وما بين من يرفضونها لأنها تقع خارج دوائر اكتراثهم (الواقفون في طوابير الخبز مثلا) لن تكون حداثة حقيقية. يمكن القول إنه لدينا نخبة مثقفة حداثية تتكلم (حداثة) فيما بينها وتعول على الآخرين فشلها طوال الوقت، كما أن لدينا نخبة اجتماعية لديها شراهة استيراد الحداثة من أوروبا مع باقات الورد والكافيار، كما أن لدينا قاعدة فقيرة ورجعية ترى ـ النخبة المثقفة والاجتماعية ـ ضرورة التخلص منها ـ كمرض ـ لأنها معوق الحداثة. علينا إذا أن نتخلى عن هذه النخبوية وتجاهلها لتدين المصريين وفقرهم إذا ما أردنا لمدينتنا ألا يكون لها شجن اسطنبول.

09 September 2009

تديين الحياة.. مفسدة لكليهما

منتخب مصر "الصائم" في مواجهة مصيرية أمام رواندا "المفطرة".. هكذا جاء العنوان الرئيس في صفحة الرياضة بجريدة المصري اليوم. لشخص عابر اعتاد أن يقرأ العناوين بعجالة قد يرد لذهنه أن معركة مصيرية بين مصر ورواندا صبيحة هذا اليوم، وأن المعركة لاشك دينية، ذلك أن العنوان يشطر العالم إلى شطر صائم (أي متدين) وشطر فاطر (أي غير متدين ـ كافر). أما بالنسبة لشخص يبحث عن أخبار جديدة حول المنتخب ومباراته الموشكة فسوف يسأل إذا ما كان الفريق قد تجاهل الفتوى التي منحته رخصة الإفطار في رمضان بسبب المباراة وإذا ما كان للقديس أبو تريكة ـ الذي نُشر فور وصوله أرض رواندا خبر تبرعه لبناء مسجد ـ دخل في التأثير على زملائه وإقناعهم بعدم الالتزام بالفتوى. أما بالنسبة لشخص لا يعرف عن رواندا أكثر من أنها الدولة التي سوف يلتقي منتخبنا الوطني بمنتخبها الوطني فربما يسأل بينه وبين نفسه إذا ما كان وصفها ـ في العنوان ـ بأنها فاطرة إشارة لكونها دولة غير مسلمة أم إشارة لفتوى مثيلة تلقاها لاعبوها من مفتيهم الذي لم يشأ أن يكون أقل وطنيه من نظيره المصري. وبالنسبة لشخص يعرف أن أربعة في المائة فحسب من سكانها مسلمون فسوف تصله الإشارة كاملة: مواجهة مصيرية بين فريق مؤمن وفريق كافر، وفي مثل هذه المعارك النصرة دائما للمؤمنين!

ولكن؛ بالنسبة لشخص عاش عمره على ثقة في أن تديين الحياة مفسدة لكليهما.. الدين والحياة.. فسوف يستفزه ما في العنوان من تجذير للخطاب الثقافي العام في مصر والذي أصبح يستند على أرضية دينية إسلامية أصولية تقسم العالم إلى فئتين لا ثالث لهما، فإما مسلمين مستنسخين، نسخ مكرورة في الفكر والهيئة والشعور، وإما فئة ضالة لم تهتد بعد. يتشارك في الأخيرة المسلمون المخالفون في فهمهم للإسلام (حتى وإن صلوا وإن صاموا، كالشيعة والمعتدلين) والمخالفون في العقيدة وغير المعتقدين في أي شيء أيضا. كما لو أن على الجميع الإيمان بالرب نفسه وبالطريقة نفسها، رغبة أو رهبة أو ـ إن شئت ـ إرهابا.

تحتفظ ذاكرتي من كل ركام الكلمات التي تلقيتها طفلا وشابا في مساجد شتى بجملة قالها شيخ كان يحفظنا القرآن في طفولتي، قال لنا إننا يمكننا أن نتكسب عددا وفيرا من الحسنات بينما نأكل طعامنا، فقط إذا ما أكلنا وفي ضميرنا أننا نفعل ذلك للبقاء أحياء كمؤمنين صالحين لاستكمال مسيرتنا السامية في جعل العالم الذي نعيشه أكثر جمالا وعدلا. ما كان يعني أن مسألة الإيمان أولا تعتمد على الشخص نفسه، وأنها ثانيا علاقة شخصية ومباشرة بالله وليس لشخص آخر أن يكون حكما عليها. بعدها بسنوات فهمت كيف يمكن أن يكون "تبسمك في وجه أخيك صدقة". بعدها بسنوات أكثر فهمت كيف أنه لا يمكن عزل الإيمان عن الحياة. أن أكف الناس شري وخداعي وكذبي لأن الله راهن علينا ـ كبشر ـ في فعل ذلك. "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لم يقولوا أتجعل فيها من لا يُقيم صلاة ولا يدفع زكاة ولا يفرض تدينه على الآخرين، قال "إني أعلم ما لا تعلمون".. راهن الله على قدرة البشر على إحلال السلام والعدل والخير والحب في عالم يبوء بالحيوانية.

فهمت كل ذلك حين لم يكن العالم قد تحول بعد لتديين الحياة، كان الدين يسري في الحياة ببساطة، ببساطة ابتسامة ترتسم على وجهك بينما تقول لأحدهم "صباح الخير" فتزرع في وجهه بساتين رضا وسعادة بينما يعيدها إليك بأحسن منها "صباح الفل"، بينما يفكر كل منكما في أن تبسمه في وجه أخيه صدقة.

الآن لن يمكن لأحدهم الكلام عن هذه البساطة المنتشية كحقول خضراء بامتداد البصر. بعد أن جدبت الحقول اللينة. الآن لن يمكن التفكير إلا في تديين الحياة، في لوي ذراعها كي تؤمن، في تخييرها بين الإيمان وبين إقامة الحد. الفارق بين العالمين، بين دين يسري في القلوب ويورّد الخدود وبين دين يحجب العالم ويعزله كبير بحجم مأساة. كان يكفي في زمن البراءة أن تبتسم في وجه أخيك، الآن عليك أن تشيح بوجهك عنه لأنه لا يحضر معك درس العصر، وأن تزلزله بنظرة لأنه قابلك بابتسامة موقعة بـ "صباح الخير" وليس "السلام عليكم"، عبارة السلام المعتمدة من عمداء تديين الحياة، وأن ترفض الانصياع له إذا ما طلب منك مشاركته الشكوى من فوضى الآذان، وأن تلغيه من حياتك تماما لأنه يقبل لزوجته أن تذهب لعملها بلا حجاب.

في زمن تبسمك في وجه أخيك صدقة كان على كل منا اكتشاف إلهه بنفسه، بعضنا التقاه في المسجد بينما كان يتلمس طريقه لحفظ قصارى السور، وأغلبنا التقيناه في أماكن أخرى. أنا شخصيا تعرفت عليه في مداومة التفكير في سلاسل التدبيرات الصدفوية التي لا تُفهم في حينها. أسلم صديق بعد أن سمع القرآن بصوت المنشاوي فاكتشف ـ على حد قوله ـ أن القرآن جميل وليس قاسيا كما سمعه في أماكن عديدة. كان على كل منا أيضا تعاطي الدين كممارسة.. كتجربة.. نجلس وأصدقائي لنأكل دون أن يشغلنا التأكد مما إذا كان من يجاورنا يأكل طعامه لذاته أم لاستكمال مسيرته المقدسة لجعل العالم أكثر جمالا وعدلا. لن أدعي أننا كنا نجلس دون سابق معرفة بما يحمله كل منا من عقيدة، ولكن على الأقل كنا نجلس دون أن ننشغل بما يمكن أن يعنيه ذلك. لم يكن العالم قد تقسّم بعد. لم يكن العالم قد تقسم بعد بين فريقين فريق المؤمنين وفريق الكافرين.

الذين ينشغلون كثيرا بمثل هذا التقسيم يتجاهلون أنه من المستحيل تبني فكرة التقسيم أصلا لأنها عبث. في زحام الفرق هذا.. شيعة وسنة وكاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ويهود صهاينة ويهود توراتيين ومؤمنين غير مشغولين بالرسالات وملحدين، ناهيك عن الزرادشت والبوذيين.. كيف يمكن لأحدهم أن يعتقد أنه صاحب الحقيقة الوحيدة. إذا كان تصورنا عن الله ـ الذي نبرر به كل أحقادنا وتعصباتنا الدينية ـ غير متطابق حتى داخل الملة الواحدة، هل يمكن الجزم بأن مجموع المصلين في صلاة العشاء القادمة في مسجد الحي يتوافقون في تصورهم عن الله، تصورهم عن الجنة، عن النبي محمد. هل يتفقون جميعا على صورة الرب المنتقم الجبار أم على صورة الرب العفو الغفور، هل يؤمنون جميعا بأنهم سوف يحرقون في قبورهم وسوف يدكون بمطارق من حديد لسابع أرض، أم يؤمنون بأنهم سوف يصعدون إلى السماء ومن ثم فلا حاجة لتقطيع أوصال أجسادهم. إذا كان اثنان منهما متجاورين في الصلاة لا يؤمنان بالدرجة نفسها ولا على النحو نفسه ومع هذا يتشاركان الصلاة، فماذا عن ملايين البشر خارج الجدران الأربعة للمسجد؟!

يتشاركان الصلاة، رغم كل شيء، لأنهما؛ بينما يسويان الصف ويسدان الفرج تكون روح كل منهما في معية الله، بالشكل الذي يليق بروح كل منهما، دون أن تكون لأحدهما وصاية على من يجاوره. ولنتخيل حوارا عابرا بينهما قبل الصلاة، إذا ما قررا الاتفاق أولا بشأن إيمانهما قبل المضي قدما في الصلاة، إذا ما اختلفا، إذا ما قرر أحدهما أن الآخر ليس مؤمنا بالقدر الكاف، أو أنه لا يصلح كشريك في صلاة لأنه ينكر مثلا أن السواك من السنة المؤكدة، أو أنه سوف يفسد صلاته لأنه لم يلتزم في وضوئه بالترتيب المناسب ولم يقتنع أن عليه أن يضع كفيه مائلا جهة اليسار. كيف سيمضيان في حياتهما بعد حوار كهذا إذا ما وجدا في أنفسهما طاقة كبيرة على التمسك بما يعتقدانه، بما يظنانه الصواب الوحيد، الحقيقة الكاملة.

تديين الحياة مفسدة لكليهما، للدين وللحياة، لأننا لن نتفق أبدا على إيماننا، ولكن قد نتفق على الوقوف صفا واحدا في مسجد، في ممر بمصلحة حكومية، في إشارة مرور، في نفق، أو فوق جسر، في طابور للعيش، في طريق معبد بتطلعاتنا للمستقبل، إن أردنا أن يكون لمستقبلنا رائحة العدل، لا رائحة الحرب الدينية.

31 August 2009

المواطنة هي الحل


في بريطانيا تم إيقاف إحدى الممرضات لأنها عرضت على أحد مرضاها أن تصلي من أجله. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك قبل أن يعرف أن مبررات الحكومة الإنجليزية ومجلس شيوخها في معارضة مناقشة الأمور الروحية في دور الرعاية الصحية تتلخص في التالي: أولا يُعد هذا الأمر تعديا على الحرية الشخصية للمريض، فمن المحتمل أن تكون عقائد كل من القائم على الرعاية الطبية والمريض مختلفة، ثانيا ـ وهو الأهم ـ قد يشعر بعض المرضى بالحرج فيُجبرون على تلبية الاقتراحات والوصايا الروحية للقائم على الرعاية الطبية خشية أن يؤثر رفضهم على تلقي الرعاية، ثالثا خوفا من أن تفلت الأمور من السيطرة فتتحول المشافي إلى مراكز وعظية. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك ـ كما قلت في صدر المقال ـ دون أن يعرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ، لكنه قد يفعل ذلك أيضا حتى بعد أن عرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ!

هؤلاء الذين سوف يتخذون هذا الموقف سوف يستند موقفهم على أرضية أن العلمانية تعارض الدين، وهي الأرضية التي يقف عليها الجميع تقريبا في مصر ـ بلا مراجعة ـ رغم طاحونة الحقد التي دارت بين مسلمي ومسيحيي الوطن، والتي لم يعد سبيل إلى إنكارها، وسوف تدور رحى كثيرة طاحنة شعار العلمانية الأشهر في أدبيات العلمانيين والمتدينين على السواء، وأعني به شعار "فصل الدين عن الدولة" والذي يُعد إختزالا للشعار الأكثر شمولا وأعني به "فصل العبادات عن المعاملات" بالمصطلحات الإسلامية. الأخير والذي سوف ينال هجوما كبيرا يعني بالأساس ألا تتدخل الأمور العقائدية في الأمور المعاملتية، بمعنى أن العلاقة بين القائم على الرعاية الطبية مثلا والمريض ليس من المفترض أن يُلوّنها الاتفاق أو الاختلاف في العقيدة، وهو ما يسمح بمساواة المختلف ـ أي كان إختلافه ـ دينيا. على نفس المنوال يمكن سحب هذا المثل من مجال الرعاية الطبية إلى أي مجال آخر، فحين تواجه موظفا في أي إدارة من الإدارات الحكومية لا يجب أن يعتمد قضاؤك للمصلحة على درجة إسلامك إذا كان الموظف مسلما أو على درجة إيمانك بالمسيح إذا كان الموظف مسيحيا. قد يقول قائل إن هذه بديهية ولكني أتكلم عن الواقع على الأرض وليس عن المثاليات التي سوف يتفق الجميع عليها ـ لغة ـ وسوف يخالفونها ـ فعلا ـ بعد ذلك.

سوف يحاجج بعض المسلمين بأن تعاليم الإسلام تؤكد ذلك، وسوف أحاجج بأن تعاليم أي دين سماوي أو غير سماوي لا تقول شيئا غير ذلك، ولكني أيضا أؤكد أن كل مظاهر التدين في الشارع المصري لم تصنع من هذه الحقائق واقعا على الأرض، كما أن كل هذه المواعظ والخطب الدينية في كل مكان لم تجعل من البشر المؤمنين أكثر تسامحا، بل أكثر تدينا لأنها لم تعقلن تدينهم، ولهذا فإن فصل العبادات عن المعاملات الذي تنادي به العلمانية يصبح ضرورة لا ترفا.

المشكلة في أن الدعاوى التي تهاجم هذا الشعار ضمن مهاجمة العلمانية تتغافل عن أن القرون الثلاثة العلمانية في أوروبا لم تلغ وجود الكنائس والأديرة من أرضها، بل إن كافة المساجد التي تم بناؤها في أوروبا رُفعت مآذنها في حماية العلمانية. كما أن القرون الثلاثة العلمانية لم تلغ الدين ولم تسع إلى ذلك أيضا، وذلك لسبب بسيط هو أن العلمانية لم تبدأ في أوروبا لمناهضة الدين وإنما بدأت بالأساس لمناهضة استغلاله، فمثلا إمام المتمردين الدينيين "مارتن لوتر" الذي نال سخط الكنيسة في روما ورجال دينها، قاد ثورته ضد رجال الدين الفاسدين الذين يبيعون صكوك الغفران لمجرد أنهم يتحدثون باسم الله. قصدت طرح هذا المثال تحديدا لأن مارتن لوتر في النهاية رجل دين، أي أن التمرد في هذا المثال كان داخليا.

لم تبدأ فصول العلمانية في أوروبا واضعة الدين ـ كدين ـ في بؤرة هجومها، فلو لم يقم رجال الدين القائمون على شئونه باستغلال نفوذهم المستمد من السماء ـ غصبا ـ لما بدأت العلمانية حربها، الحرب العلمانية بدأت ضد تدين المتدينين، ذلك التدين الساذج الذي أقنعهم بإمكانية شراء بيت في الجنة بصك غفران يمكن مساومة رجل الدين على ثمنه، والذي أقنعهم بأن بقاء الحاكم فوق عرشه لا قدر إلهي فحسب بل تلبية لمشيئة الله، والذي أقنعهم بأن الفقر الذي يسببه الكساد عقاب إلهي وليس إساءة تصرف من القائمين على الشأن الاقتصادي وتلاعبا في السوق، والذي أقنعهم بأن انتشار مرض ما تصفية حسابات سماوية مع الخطاة وليس إهمالا من الأنظمة. ما أعنيه أن العلمانية بدأت كحركة ضد التدين وليس ضد الدين، ضد سذاجة الإيمان وليس ضد الإيمان، وهو ما عنى غربلة ـ بل وتفكيك ـ الإيمان وعلمنته ـ إن صح التعبير ـ لكي لا يصبح تكأة لمفسدة الاستغلال الديني الذي يبدأ من بيع صكوك الغفران وينتهي بحروب الإبادة الطائفية.

فصل العبادات عن المعاملات أيضا لم يلغ الأخلاق، وهي الفزاعة التي يستخدمها معارضو العلمانية، لأنه ليس صحيحا أن الضمير البشري قد جاءت به رسل من السماء، وإلا لكانت الجماعات المنعزلة في أفريقيا بلا أخلاق. سوف يحاجج البعض ـ وهم يفعلون ذلك طوال الوقت ـ بالطريقة التي يعيش بها الأوروبيون كدليل على الإنحطاط الأخلاقي، مشيرين إلى الحرية الجنسية خصوصا، هؤلاء لا يعرفون أن الأخلاق ليست مبادئ ثابتة وإنما متغيرات ثقافية، بمعنى أن الحكم الأخلاقي الذي قد يطرحه شخص قد لا يراه آخر صحيحا في إطار ثقافته، ورغم مبدأ الاختلاف الثقافي هذا فإنه لم يمنع من اتفاق الثقافات والأديان جميعها تقريبا على أن القتل خطأ، والكذب خطأ، والخداع خطأ، ومعاقرة امرأة لا تخصني خطأ أيضا، ذلك أن الأخلاق الأوروبية، والمختلفة بالطبع عن أخلاقنا هي ابنة ثقافتها، لهذا لن يدافع حتى أشد العلمانيين في مصر عن استعارة أخلاق من الخارج، ولن يطالب مجتمعه بإقرار الحرية الجنسية إلا إذا أقرتها الرغبة الشعبية، لأن الحرية الجنسية مثلها مثل الحرية الدينية والحرية الاقتصادية سواء بسواء سوف تكون رهن بصناديق الاقتراع والتصويت في مجلس الشعب.

وعليه فإن فصل العبادات عن المعاملات ـ والذي لا يعني البتة إلغاء العبادات كما أوضح هذا المقال ـ قد يكون صمام الأمان في مجتمع تم شحن طوائفه الدينية عاطفيا بإزاء بعضها البعض. ذلك أن المعاملات يجب أن توضع على أرضية المواطنة ـ والتي هي مبدأ أشمل من شعار العلمانية ـ لأنها ـ أي المواطنة ـ ترفض الانتماءات والتحزبات الدينية والعرقية والجنسية، ولذا فإنها تفصل الانتماءات الدينية والعرقية والجنسية عن المعاملات، فيمكن لأي منا ـ مهما كان اختلافه دينيا (مسلم أو مسيحي أم غير ذلك) أم عرقيا (أبيض أو أسود) أم جنسيا (رجل أو امرأة) أن يمارس حريته في اعتقاد ما يشاء، وأن يرتاد مكان عبادته أينما شاء دون أن يشعر أن ذلك قد يجلب إليه أي امتياز كما أنه لن يجلب عليه أي عار.

ومع هذا فلست ممن يميلون للعلمانية الغربية في صورتها الحالية، فقد سبق أن أشرت في أكثر من موضع أن الخطأ التراجيدي الذي وقعت فيه العلمانية التركية ـ باعتبارها المقر السابق للخلافة الإسلامية ـ كان في تجاهلها الدين والفقر ـ وعليه أقول إن العلمانية ليست مذهبا وبالتالي فهي ليست صيغة وحيدة وإنما على المجتمعات التي تقتنع بأن "العلمانية هي الحل" أن تبدأ في صياغة صورة علمانيتها الثقافية المثالية بالنسبة لها، سواء صنعت صورة مشابهة أو مخالفة للعلمانية الغربية، فالعلمانية مبدأ إنساني أولا وأخيرا..

أبو تريكة والقمني


ليس لهذا المقال علاقة مباشرة بعنوانه، ما يعني أننا لسنا بصدد التعامل مع أبو تريكة ولا مع القمني كشخصيتين أصابا ما أصابا من الصخب في الفترة الأخيرة. ومع هذا يظل للمقال علاقة بهما بالقدر الذي يكون لأيهما صلة ما بالطريقة التي يبني بها الرأي العام في مصر قناعاته وأساطيره، الأخير تحديدا ـ صناعة الأسطورة ـ هو موضوع المقال، ذلك أن هذا المقال يتساءل عن الطريقة التي يتم بها تصنيع الأسطورة في مصر ثقافيا، مع ملاحظة أن الدراسات الثقافية ـ منهجية هذا المقال ـ لا تساوي بين الأسطورة كمفهوم وبين الحدث غير الحقيقي، فهي لا تنشغل بحدوث أو عدم حدوث أي من الأساطير، بمعنى أن مفهوم الأسطورة لا يفترض بداية أن مجال الأسطورة غير حقيقي، ما يعني أن أبو تريكة أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك، كما أن القمني أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر ـ أيضا ـ عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك.

على مدار السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لمع نجم لاعب الأهلي محمد أبو تريكة ونال عدة ألقاب تبودلت في وسائل الإعلام منها "الخلوق" وحبيب والديه" و"الساحر" و"القديس"، وبالطبع تؤشر هذه الألقاب على التوجه العام لمن أطلقوها أول مرة ثم يؤشر شيوع هذه الألقاب وخروجها من المجال الرياضي إلى المجال العام على الطريقة التي يبني بها الرأي العام قناعاته. ما أعنيه أن تشكل أسطورة أبو تريكة بدأ من علاقته المباشرة بأرض الملعب (الساحر) كلاعب لا يجرؤ أحدهم على التقليل من موهبته وجدارته انتهاء بعلاقته بالسماء (القديس) مرورا بعلاقاته الإنسانية خارج المستطيل الأخضر (الخلوق وحبيب والديه) ثم الارتكاز إلى علاقته بالسماء في إعادة تدوير الأسطورة. الأهم في رأيي ليس في هذا الاندياح من الخاص (العلاقة الأفقية بالملعب) للعام (العلاقة الرأسية بالسماء)، ولكن الأهم في تبني الجميع ثقافيا لهذه الأسطورة في مجملها والتشديد على العلاقة بالسماء باعتباره متدينا، وهي العلاقة التي تأسست على عدة مواقف منها: استنكار الحصار على غزة بعد تسجيله هدفا في بطولة الأمم 2008 ثم موقفه من مصافحة المطربة نانسي عجرم وغيرها من المواقف.

ما أعنيه أن صناعة الأسطورة الخاصة بأبو تريكة تمت استنادا على علاقته بالسماء، وهي علاقة دللت عليها مواقف إعلامية بالأساس، هذه الصناعة تغافلت عن وضع هذه المواقف في سياق أكثر عمقا وهو سياق آليات السوق باعتبار أن لاعب الكرة ـ أي لاعب كرة ـ الآن ـ هو ضمن منظومة رأسمالية إعلامية إعلانية لا يمكنه الفكاك منها، وهي منظومة غير أخلاقية بالأساس، بل هي منظومة غير أخلاقية بالمرة، وعليه تم تجاهل كثير من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر لولا الأسطرة الدينية التي استطاعت أن تحمي اللاعب مجال الأسطورة من المساس به، وعليه ـ وفي حماية الأسطورة ـ أصبح من الممكن تفسير ـ بل وتبرير ـ كافة أفعال اللاعب داخل الفضاء الوظيفي وخارجه، بما يتسق مع الأسطورة ذات الحضور، فأصبح الكلام عن رغبته في الاحتراف مكافأة نهاية خدمة مشروعة بل واجبة على كل مسلم، كما أصبح الكلام عن تراجعه عن الاحتراف بطولة ووطنية وانتماء إلخ. ما أعنيه أن الأسطورة تفرض على المتعامل معها احتواء كافة المفردات والمواقف لسياقها ونسقها، طالما أن الأسطورة غير قابلة للنقد أو للمراجعة. وهو ما لم يحدث مع أبو تريكة فقط بل مع سيد القمني أيضا.

فعلى الضفة الأخرى من النهر أثيرت مؤخرا قضية مكررة حول كتابات دكتور سيد القمني، لا مجال هنا لسرد فصولها، ولكن ما يعنينا أن الرأي العام في مصر صنع أسطورته حول الرجل بعيدا عن مجال كتاباته، حيث تشكلت الأسطورة حوله استنادا على علاقته بالسماء، فكان محورها التشكيك في إيمانه، متهمة إياه بالكفر والإلحاد، واصفة إياه بالعلمانية التي هي في أدبيات الأسلاميين قرينة الكفر والعياذ بالله!

تمت صناعة أسطورة القمني استنادا إذا على علاقته بالسماء، والتي تشكلت عبر بعض الآراء التي أطلقها بعض رجال الدين الذين أعلنوا جميعا ـ بلا أي إحساس بالألم ـ عدم قراءة كتابات الرجل، بل إن أحدهم ـ وهو الشيخ خالد عبد الله ـ بالغ قائلا إنه لا يضيع وقته في قراءة العلمانيين، أي أن صناعة الأسطورة في حالة القمني استندت على آراء لم تفند محورها إيمان الرجل أو علاقته بالسماء.

على هذا الأساس أجد مشابهة في الأسطورتين اللتين إنشغل بهما الرأي العام مؤخرا، حيث أن كليهما استند على العلاقة الرأسية بالسماء، وَصْفُها في حالة الأول بالحسنة منحه لقب القديس، ووصفها في حالة الثاني بالسيئة منحه لقب الكافر، وحسب موقع كل منهما في العلاقة الرأسية تمت إعادة تدوير الأسطورة، بالنسبة للأول تم تبرير مواقفه كلها في إطار القدسية الممنوحة له، كشخص لا ينطق عن الهوى، ولا يخرج الباطل من بين يديه، وبالنسبة للثاني تم تكفير كافة مقولاته وتجاهل شهادته بأن لا إله إلا الله محمدا رسول الله على إحدى القنوات ورفض قراءة كتاباته وفحصها رغم أنها الفضاء الذي كان لابد أن يحاكم ويناقش من خلاله. أي أن الرأي العام المصري صنع أسطورتيه استنادا على فضاء غير الفضاء الذي كان يوجب التعامل مع الرجلين موضوعا الأسطورتين، وعليه تم تصنيف الأول والثاني في خانتي "القديس" و"الكافر" دون الالتفات إلى أن إيمان الأول وكفر الثاني لا علاقة له بمجال عمليهما، فضلا عن أن إيمان الأول وكفر الثاني ليس له علاقة بدرجة إجادة أي منهما لعمله، فإذا كان الأول لاعب كرة وإذا كان الثاني باحثا اجتماعيا فإن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بجدارتهما في مجال عمليهما. فضلا عن أن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بنا لأن أي منا لا يملك مفاتيحها لأن الإيمان محله القلب!

أستنتج من ذلك عدة نقاط منها: أولا أن النموذج الأمثل للمصريين ثقافيا هذه الأيام هو الشخص المتدين، قد يحاجج البعض أن اللاعب موضوع الأسطورة موهوب في مجاله وهذا صحيح، ولكن ما أعنيه أن فعل الأسطرة تجاهل لاعبين آخرين في مثل موهبته بينما تم انتقاؤه خصيصا على أرضية تدينه. وهي الأرضية التي مررت عددا من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر، مثل قبوله مبلغ المليون جنيه هبة من رجل الأعمال ساويرس ثم رده مرة أخرى احتراما لتعاقداته مع شركة اتصالات منافسة للشركة التي يملكها ساويرس، وغيرها من المواقف التي تم تبريرها على أرضية أن القديس لا يمكنه أن يخطئ سواء في الفعل أو نقيضه، فحتى إن أراد فإنه لا ينطق عن الهوى كقديس "ليس من هذه الأرض ولكنه من السماء"، التعبير الأخير ورد في أسبوع واحد في مقالتين لاثنين من الكتاب المحترمين في جريدتي الأهرام والمصري اليوم، الطريف أنهما ـ كاتبا المقالتين ـ لا ينتميان للفضاء الرياضي أساسا، وهو ما يعبر عن أن إعادة تدوير الأسطورة عملية لا يقوم بها فرد ولا مؤسسة ولكنها عملية تستقر بعد فترة في اللاوعي الجمعي، طالما لا تتم مراجعتها.

ثانيا أن مثل هذه الطريقة في صناعة الأسطورة ما كان لها أن تكون إلا في سياق ثقافي عام يعمل على تنميتها. في هذا السياق يمكن فهم إعلان مدرب فريق المنتخب حسن شحاتة عدة مرات في مقابلات تلفزيونية أن النجاح الذي حققه هذا الجيل من اللاعبين ـ أفريقيا ـ سببه الأساسي تدين معظمهم والتزامهم دينيا، وهو السياق الثقافي الذي يحيل المسألة برمتها للسماء، وهو نفسه الذي فسر هزيمة 67 في ضوء العلاقة بالسماء على اعتبار أن الهزيمة كانت عقابا سماويا على اشتراكية الدولة، وهو السياق الذي يتجاهل الأسباب الموضوعية للنجاح أو الفشل، وهو ما يمكن إحباطه بسهولة لا مجال له هنا.

ثالثا إذا عرفنا أن فرص صناعة أسطورة مؤسسة على علاقة شخص قبطي بالسماء ضئيلة للغاية إن لم تكن مستحيلة، فهمنا أن المصريين يصنعون أساطيرهم وفق منهجية دينية قبلية، تؤطر المؤمن في خانة الملائكة وتؤطر الكافر في خانة الشيطان، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التأطير يتم وفق نظرة أحادية تماما تفترض أنها تملك الحقيقة المطلقة. باعتبار أن الإسلام هو الدين الصحيح الوحيد من جهة وباعتبار أن الإسلام ليس له إلا صورة وحيدة هي التي صنعها رجال الدين من أصحاب العمائم أو من أصحاب الياقات البيضاء من الدعاة الجدد.

رابعا وأخيرا وهو الاستناج الأكثر رعبا أن المصريين ليسوا فحسب غير قادرين على مراجعة أساطيرهم بل إنهم أيضا لا يرحبون بذلك، بدليل أن أيا ممن يعيدون تدوير أسطورة القديس لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة كما أنا أي ممن يعيدون تدوير أسطورة الكافر لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة بقدر عدم ترحيبه بقراءة كتابات الرجل والاستسلام في الحالتين لمكنة إعلامية تعيد تدوير الأساطير بلا رحمة.