في روايته "اسطنبول.. الذكريات والمدينة" 2003 يقول باموق "لقد وصفت نفسي عندما كنت أصف المدينة ووصفت المدينة عندما كنت أصف نفسي" كاشفا عن منهج روايته التي يتداخل فيها النظر إلى الداخل والنظر إلى الخارج، حيث تتماهى ذات الراوي/باموق في مدينته التي يصمها بالسوداوية طوال فصول الرواية، وفي رأيي أن كلمة السوداوية ليست هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق فما يشير إليه باموق يمكن ترجمته بالشجن وليس بالسوداوية ولا بالحزن كما ورد في ترجمة الرواية، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.
ما يحاول الراوي مقاربته طوال الرواية ليس منح المدينة ولا ذاته طابعا حزينا كما لو كان يرسم لوحة باهتة الألوان، ولكن ما يحاوله هو مقاربة الإشكالية التي تمنح المدينة/الذات هذا الطابع الحزين أو إن شئنا الدقة: هذا الطابع الشجي. وما أتصوره أن ما وراء هذا الشجن هو الوضع الإشكالي للأزمة التركية كدولة تقع في منطقة المابين، كذلك فإن التاريخ الذي يتكلم عنه باموق ويسنده إلى مدينته يقع أيضا في منطقة المابين، كما أن باموق نفسه كمثقف تركي يشغل منطقة المابين كما سنرى. المهم أنه رغم ما في الرواية من إسهاب في وصف اسطنبول وتفاصيلها وشوارعها وميادينها (ميدان تقسيم بخاصة) فإن مرتكز هذا الوصف يبدو في الجهة الأخرى وأعني بها البوسفور. إلا أنه يمكن القول إن الرواية ـ رغم تمازج التاريخي بالجغرافي ـ فإنها ليست عن التاريخي ولا عن الجغرافي فلا يجب أن ننسى أنها رواية وأنها كتبت بيد كاتب روائي وليس مؤرخا، وهذه أزمة أخرى في علاقة باموق/الذات الراوية بمدينته.
ولأنها رواية فإن الراوي يلتقط خيطا في إشكالية الدين التي يمكن عدها مركز الإشكالية التركية، مع ملاحظة أن الدين هنا سوف يناقش من الناحية الاجتماعية، وليس كعقيدة، بمعنى آخر فإن ما أفترض أنه قراءة صحيحة لإشكالية الحداثة في تركيا كما هي في كتاب باموق تتعلق بعلاقة الأتراك بالدين والتي ـ كما لاحظت ـ تصطبغ بصبغة اجتماعية، بل يمكن القول إنها طبقية كذلك.
عاش باموق في بيت لأسرة متوسطة عليا ممن اعتبروا أنفسهم ضمن نخبة من شأنها الحفاظ على الخط الأتاتوركي الذي حاول تأسيس تركيا غربية على حداثة مستعارة من الغرب، وكان في سبيل ذلك مضطرا لتقديم ذبيحة، كما اضطرت أسرة باموق لتقديم الذبيحة نفسها: الدين. ففي تركيا أتاتورك لم تكن هناك حاجة لدين معوق لمسيرة حافلة بالحداثة، ورغم ذلك كان الخدم في بيت باموق يصلون ويصومون كما لو أن أتاتورك لم يصل بعد. يبدو أن باموق قد تعاطف مع هؤلاء لأنهم ظهروا له كأشخاص "غير مؤذيين على عكس الرسوم الكاريكاتورية في الجرائد والفكر الجمهوري لأسرتي" يقول باموق. ولقد لاحظ باموق أيضا ـ كروائي ـ كيف أن عائلته التي لم تكن تصوم أبدا كانت تنظر إلى لحظة الغروب في شهر الصوم كلحظة ذات جلال. إن هذا الإجلال الذي حاولت أسرة برجوازية تنتمي للفكر الجمهوري أن تخفيه كان علامة على الإشكالية التي تكمن في صلب علاقتهم بالدين، والذي يمكن عده علامة على إشكالية علاقتهم بالتراث ككل، كان على تركيا أتاتورك أن تنتزع تراثها ولكنها في طريقها لفعل ذلك كانت تستسلم لشجنها البادي كنتاج للفقد والفراغ، باموق نفسه يصف الفراغ الذي خلفه الدين بخواء البيت.
ورغم أن باموق يشير أيضا إلى أن ما يشبه تقسيم العمل في بيته ما بين السادة العلمانيين والخدم المتدينين جعله يفكر في أن الدين ليس إلا عالم الفقراء وليس السادة فإنه يشير ـ رغم تعاطفه ـ إلا أنه لم يكن أمام السادة طريق آخر بديلا عن الاستسلام لخرافات المتدينين والتي كان من شأنها إعاقة الحداثة. لكن باموق ـ في رأيي ـ كان يؤرقه هاجس آخر في نظرته لإشكالية العلاقة بهؤلاء المتدينين، هذا الهاجس كان يتمثل في علاقته هو شخصيا كابن مدلل من أسرة متوسطة عليا إلى أحشاء المدينة وأكواخها التي تتساند على سكانها الفقراء، لقد كانت اسطنبول تعني هؤلاء الفقراء سكان الأحياء الفقيرة أكثر مما مثلته عائلته وعائلات كثيرة في الجوار.
يقول باموق "إنه كان من المريح أن نعرف أنهم يعتمدون على آخر لينقذهم وأن هناك قوة أخرى يمكن أن تحمل أعباءهم" وفي رأيي أنه يمكن إضافة استطراد على جملة باموق: "وأعباء طبقتي". بمعنى أن هذا الآخر الذي كانت تعوّل عليه أسرة باموق لتحمل أعباء الفقراء كانت أيضا تعوّل عليه في تحمل أعباءها هي ذاتها وهي أعباء نتجت عن قدر كبير من الإحساس بالذنب تجاه هؤلاء الفقراء. يشير باموق مثلا إلى أن عائلته كانت تواظب على تقديم الأضحية الإسلامية في العيد الأضحى بينما كانت تأكل هي نفسها من لحوم تأتي من المحلات الكبيرة في اسطنبول، لقد كانت هذه الراحة التي يتكلم عنها باموق "تتلاشى أحيانا نتيجة الخوف من أن الفقراء ربما يستخدمون ذات يوم علاقتهم الخاصة بالرب ضدنا"، لقد كان الخوف يتزايد إذا من الفقراء، ليس لتدينهم (الذي رُئي أنه معوّق للحداثة) ولكن لفقرهم. بمعنى آخر فإنه يبدو أن الحداثة التركية نتيجة لنخبويتها فرضت خوفا ثقيل الظل ليس من الإيمان ولكن من عقدة الذنب تجاه الفقراء والعامة سكان اسطنبول الحقيقيين.
من جهة أخرى فإننا يمكن قراءة الفكرة ذاتها في علاقة أسرته ـ والتي تمثل الحداثة الأتاتوركية ـ برغبته في أن يكون رساما. لقد بذل باموق ثلث عمره في تصور أن عليه أن يصبح رساما حتى أنه مع بداية مراهقته أصبح لديه مرسما خاصا، ورغم أن أفكار الحداثة التي تتبناها أسرته ـ والنخبة الأتاتوركية ـ كان من المفترض أن ترحب برغبته تلك ـ كأسرة حداثية ـ فإن أسرته استبعدت تماما أن يكون جادا في هذه الرغبة، أما حين تأكدت أسرته من جديته فإنها ـ ممثلة في أمه ـ حاولت إبعاده عن ذلك تماما، لأنها رأت أن ذلك لن يكون مقبولا إلا في أوروبا. لقد كانت تركيا ـ رغم الجمهورية ـ لم تصبح أوروبا بعد، ولذا كان على المتأوربين أن ينتظروا. باموق نفسه حين رغب في العيش كفنان بوهيمي أدرك أن تركيا لن تقبل بوهيميته، وكان عليه أن ينتظر أيضا.
ما كان عليه وأسرته أن ينتظروه هو التحول الحداثي كاملا وهو ما لم يكن متاحا بسبب الفقراء/المتدينين، لقد كان الفقر وليس الدين ـ في تصوري ـ وصمة في جبين الحداثة النخبوية التي كانت معتمدة من قبل أتاتورك والمؤسسة العسكرية التي يبدو أنها ـ في بنيتها العميقة ـ كانت تنتمي لما قبل الجمهورية. ما أقصده أن الانقسام بين النخبة الغنية والقاعدة الفقيرة، بين النخبة الحداثية والقاعدة المتدينة، بين الفكر الجمهوري وبين البنية الرجعية العميقة في البنيان التركي وصمت الانقسام بالـ "طبقية" طالما أن النخبة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ غنية وحداثية وجمهورية وطالما أن القاعدة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ فقيرة ورجعية.
ما يمكن ملاحظته أيضا أن ما كان يبث شعورا بالراحة لدى باموق وكثير من الناس لم يكن مشهد احتراق الأبنية الفقيرة وإنما حرائق اليالات (القصور الخشبية) التي كانت تحيط بالبوسفور والتي كان يسكنها فيما مضى السلاطين الأتراك ثم ورثتهم ثم الأثرياء الجدد في زمن الحرب. كانت هذه الحرائق مبعث راحة لباموق/الروائي ـ في رأيي ـ ليس لأنها بقايا الطبقات الرجعية ولكن لأنها بقايا الطبقات الثرية التي لم تكن حداثية بما يكفي للترحيب بتفرغ باموق للرسم، فهي كما صورها باموق طبقات تافهة لم تصنع لحياتها ولا لحياة الآخرين معنى، ولم تصنع حداثتها بينما كانت تلوك حداثات الآخرين.
في ملاحظة جديرة بالاعتبار يعلق باموق على المبالغات الكثيرة عن جمال اسطنبول التي كان يقوم بها كتاب أتراك غادروا تركيا وهو يفسر هذه المبالغات بأنها كانت "من حق من غادروها للعيش في بلاد أخرى فقط، ولا يخلو ذلك من الإحساس بالذنب". لقد كانت المبالغات في جمال اسطنبول تأتي عادة من الذين غادروها ازدراء لتخلفها ولم يمكنهم التغلب على الشعور بالذنب الناتج عن هذا الازدراء لمدينة لم تصنع حداثتها ولكنهم في الوقت نفسه قد هربوا قبل أن يصنعوها لها. يقول باموق "إن الشرق مكان رائع لو لم يكن الغرب" وهو يعني ذلك تماما فقط حين تتنازعه رغبته في أن تكون تركيا أوروبية وفي أن تكون تركيا تركية في الوقت نفسه. الرغبة في إخلاء البيت والرغبة في بقائه ممتلئا ودافئا هما طرفا الإشكالية وهما ما يسببان شجن المدينة والذات الراوية أو إن شئنا الذات الرائية.
إن الذات الرائية تكتشف اسطنبول في أحيائها الفقيرة التي تمد جذورها في أبعد تاريخ للمدينة بينما سكان القصر الجمهوري بمساندة المؤسسة العسكرية يتجاهلان الخواء الذي يمكن أن ينتج عن استبعاد هذا التاريخ. وفي رأيي أن أي حداثة نرغب في تأسيسها لا تأخذ بعين الاعتبار ولا الجدية هذا التاريخ الذي يسكن البشر لن تكون لها معنى ولن يكون لها مردود إلا مزيد من الشجن الذي لا نهاية له.
تربطنا بتركيا علاقة أكبر من التاريخ الممتد فيما بيننا ولنا أن نتفهم أزمة حداثتها إذا ما أردنا أن نجيب على السؤال: لماذا فشلت حداثتنا التي بدت قريبة في بدايات القرن العشرين. لقد فشلنا لأن أي حداثة لا تأخذ في اعتبارها الدين ـ من حيث هو تراث ـ لن يكون لها أتباع كثر، ولأن أي حداثة نخبوية تتجاهل القاعدة العريضة حتى ولو كانت مدعومة بمؤسسة ما لن يكون لها فاعلية، ولأن أي حداثة تقوم على ثنائية طبقية ما بين من يستفيدون من الحداثة دون أن يصنعوها (طبقة الأثرياء الجدد في مصر مثلا) وما بين من يرفضونها لأنها تقع خارج دوائر اكتراثهم (الواقفون في طوابير الخبز مثلا) لن تكون حداثة حقيقية. يمكن القول إنه لدينا نخبة مثقفة حداثية تتكلم (حداثة) فيما بينها وتعول على الآخرين فشلها طوال الوقت، كما أن لدينا نخبة اجتماعية لديها شراهة استيراد الحداثة من أوروبا مع باقات الورد والكافيار، كما أن لدينا قاعدة فقيرة ورجعية ترى ـ النخبة المثقفة والاجتماعية ـ ضرورة التخلص منها ـ كمرض ـ لأنها معوق الحداثة. علينا إذا أن نتخلى عن هذه النخبوية وتجاهلها لتدين المصريين وفقرهم إذا ما أردنا لمدينتنا ألا يكون لها شجن اسطنبول.
No comments:
Post a Comment