12 June 2011
ماي نيم إذ جاك
افتتن المصريون بالفيلم الهندي الذي عُرض مؤخرا "My name is khan" أو اسمى خان. منبع الافتتان أن خان حين يواصل الكشف عن براءته وعرضها على العالم الغربي يكون في الوقت نفسه يرد اعتبارنا الذي فقدناه ـ ككائن مصنف تحت لافتة مكتوبة بالعربية ـ ولهذا فإنها تثير القلق ـ بعد الحادي عشر من سبتمبر.
من مفارقات الحضارة البشرية أنها تترك نفسها أحيانا عرضة لأكثر البشر جهلا. لهذا أمكن للرئيس الأمريكي السابق بوش الابن أن يقطع بأن العالم صار مقسما بين عالمين، عالم الأخيار وعالم الأشرار، مستخدما كلمات كان قد سمعها من قس اعترافه لإضفاء طابع مقدس على جهله. العبارات المستعارة من الكتاب المقدس والتي صيغت في خطاب بوش بعد النكبة لم تقنع البشر الذين يعيشون في الغرب فحسب، بل إنها أقنعت البشر الذين يعيشون في الشرق أيضا، وبدلا من أن يحاولوا إقناع العالم بأنهم ليسوا (الأشرار) في دراما العصر الحديث، حاولوا رد الصاغ صاغين فواصلوا التأكيد أن الغرب هو مغارة الأشرار الاستعماريين المتآمرين الصليبيين.
يمارس البشر لعبة ماكرة لتغذية سوء الفهم المتبادل بين العرب والغرب، مدارها صياغة مفهوم للذات على أرضية توراتية توراثتها الديانات التالية، وهي الديانات التي صاغت الثقافة بشكل مؤثر للغاية. في التوراة ثمة شعب مختار وثمة أغيار، ولأن الاختيار "رباني" فإن الأغيار موسومون باللعنة دائما. ولأن البشر كائنات تفضل أن ينوب عنها الأخرون في التفكير واتخاذ القرار فقد استسلمت كل جماعة بشرية لفكرة أنها أخيار الله ومختاريه وأن كل ما هو خارج دائرة نفوذها أغيار يستحقون اللعنة.
يصرف العرب جهودهم في لعنة الغرب لأنه لم يحاول فهمهم كما ينبغي لهم أن يُفهموا، ككائنات مُنيت بسوء الظن فتم تصنيفهم كإرهابيين بينما هم ليسوا كذلك. على الرغم من أنهم لم يتخذوا أي خطوة في فهم الغرب كما ينبغي له أن يُفهم، ولم يفكروا في أنه ليس من اللائق تصنيف الغرب كله تحت لافتة واحدة.
البشر للأسف ـ وهذه واحدة من مأسي الحياة ضمن مجموع ـ يفضلون التعامل مع الآخر باعتباره كتلة واحدة. نحن (ولا أعرف على وجه الدقة ما أعنيه بكلمة نحن) نفضل التعامل مع الأوروبي مثلا ككائن مفرد، في حين أننا حين نحاول التفكير في القوميات الأوروبية فإننا نميل أيضا للتعامل مع كل قومية باعتبارها كتلة واحدة، لهذا أمكن تعريف الألماني بأنه نازي، والإيطالي بأنه همجي، والفرنسي بأنه حسي، والإنجليزي باعتباره متعجرفا، والسويسري باعتباره الشخص الذي يخفي رصيده المالي. ليس هذا فحسب بل إنه لهذا أمكن تعريف المصري بأنه فكه وذليل، والجزائري باعتباره عصبي وعنيف، والسعودي باعتباره برميل نفط وهابي.
لدواعي الاستسهال يواصل الإعلام إعادة تدوير تلك الأساطير في الشرق والغرب بسبب حماقة التفكير في الآخر باعتباره (الشرير) لمجرد أننا ـ كل جماعة بشرية ـ نظن في أنفسنا خيرا. لهذا فقط اختار مؤلف "اسمي خان" أن يكون خان متوحدا. ولهذا فقط فإنه من المقدور لشخصية مثل جاك في فيلم متخيل بعنوان "اسمي جاك" "My name is Jacques" أن تكون شخصية متوحدة. إن طرق صياغتنا لمفهوم الذات طرق لا عقلانية بالمرة. إننا كمنتمين لثقافات مُصابة كلها بمرض التوحد لا يمكننا الانصات للآخر، بل نتعامل مع المنصتين له بحذر، معتبرينه متواطئا وخائنا. لأن العصر الحديث كله موسوم بالأصولية الدينية التي أعادت صناعة الأسطورة التوراتية: الأخيار والأغيار.
في عام 1999 تعرفت ضمن فريق مسرح بلغاري على ممثل شاب خفيف الظل للغاية، فقط في الأيام الأخيرة عرفت أنه يهودي. خفة ظله بالطبع لم تجعلني أقوم بتعريف اليهود باعتبارهم كائنات خفيفة الظل، فقط أمكنتني أن أحكي أنني تعرفت ذات مرة على شخص اسمه ستيفين، وأن ستيفين كان يهوديا وخفيف الظل. وأحسب أن مداعباتنا ومناقشاتنا طول أسبوعين لن تجعله يُعرّف المصريين جميعهم بأنه ذلك الشخص الذي يسمى حاتم حافظ والذي التقاه في القاهرة. لهذا يبدو الاسم كشيء لا يجب تجنبه في الحديث، إن خان في الفيلم هو خان وليس ممثل المسلمين، لأن براءة خان من الإرهاب لن تمحي حادثة أن ثلاثة آلاف شخص قد لقوا مصرعهم في نصف ساعة بسبب شخص كان مختفيا في أحد سهول باكستان، لأن هذا الشخص له حضور حقيقي وليس أسطورة فحسب. كما أن طيبة قلب خان لن تجعل الغرب يفكر في المسلم باعتباره ليس الشخص ذي الأصول العربية الذي يتاجر في المخدرات ويتزوج عدة نساء مختفيات أسفل نقاب، لأن هذا الشخص ـ هو وزوجاته ـ أيضا ـ له وجود حقيقي وليس أسطورة فحسب.
أما براءة جاك في الفيلم الخاص به فلن تمحي أبدا خريطة ضحايا تجار الحروب في العراق وفلسطين والسودان وأفغانستان، لأن تجار الحروب الأمريكيين لهم وجود حقيقي وليسوا أساطير فحسب. بالقدر نفسه الذي لم تمح خفة ظل ستيفين الشعور بالمرارة الناتج عن ممارسات الصهيونية العالمية، لدرجة أنني تعمدت التأكيد على أن جبل موسى موجود داخل الأراضي المصرية لمجرد أن هذه المعلومة قد استفزت فيه صهيونيته المستترة.
ليس علينا الدفع بالمزيد من الدفاعات، كما أن علينا الكف عن مطالبة الغرب بدفاعاته، لسنا إرهابيين وإن كان بعضنا كذلك، كما أن الذين يسكنون في الغرب ليسوا استعماريين وإن كان بعضهم كذلك. يمكننا بذل المزيد من الجهد في التعرف على أسمائنا وأسماء الآخرين، هؤلاء الذين لن نعرفهم حق المعرفة ولن يعرفونا كما تنبغي المعرفة إلا إن تلاقينا فتصافحنا وخاطبنا بعضنا البعض بأسمائنا مستبعدين التعامل وفق تعريفات للبشر ككتلة واحدة صماء ومستوحدة، Hi.. my name is khan.. Hi my name is Jacques.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment