28 September 2009

أسطنبول باموق.. أتاتورك.. الحداثة والشجن

في روايته "اسطنبول.. الذكريات والمدينة" 2003 يقول باموق "لقد وصفت نفسي عندما كنت أصف المدينة ووصفت المدينة عندما كنت أصف نفسي" كاشفا عن منهج روايته التي يتداخل فيها النظر إلى الداخل والنظر إلى الخارج، حيث تتماهى ذات الراوي/باموق في مدينته التي يصمها بالسوداوية طوال فصول الرواية، وفي رأيي أن كلمة السوداوية ليست هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق فما يشير إليه باموق يمكن ترجمته بالشجن وليس بالسوداوية ولا بالحزن كما ورد في ترجمة الرواية، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.

ما يحاول الراوي مقاربته طوال الرواية ليس منح المدينة ولا ذاته طابعا حزينا كما لو كان يرسم لوحة باهتة الألوان، ولكن ما يحاوله هو مقاربة الإشكالية التي تمنح المدينة/الذات هذا الطابع الحزين أو إن شئنا الدقة: هذا الطابع الشجي. وما أتصوره أن ما وراء هذا الشجن هو الوضع الإشكالي للأزمة التركية كدولة تقع في منطقة المابين، كذلك فإن التاريخ الذي يتكلم عنه باموق ويسنده إلى مدينته يقع أيضا في منطقة المابين، كما أن باموق نفسه كمثقف تركي يشغل منطقة المابين كما سنرى. المهم أنه رغم ما في الرواية من إسهاب في وصف اسطنبول وتفاصيلها وشوارعها وميادينها (ميدان تقسيم بخاصة) فإن مرتكز هذا الوصف يبدو في الجهة الأخرى وأعني بها البوسفور. إلا أنه يمكن القول إن الرواية ـ رغم تمازج التاريخي بالجغرافي ـ فإنها ليست عن التاريخي ولا عن الجغرافي فلا يجب أن ننسى أنها رواية وأنها كتبت بيد كاتب روائي وليس مؤرخا، وهذه أزمة أخرى في علاقة باموق/الذات الراوية بمدينته.

ولأنها رواية فإن الراوي يلتقط خيطا في إشكالية الدين التي يمكن عدها مركز الإشكالية التركية، مع ملاحظة أن الدين هنا سوف يناقش من الناحية الاجتماعية، وليس كعقيدة، بمعنى آخر فإن ما أفترض أنه قراءة صحيحة لإشكالية الحداثة في تركيا كما هي في كتاب باموق تتعلق بعلاقة الأتراك بالدين والتي ـ كما لاحظت ـ تصطبغ بصبغة اجتماعية، بل يمكن القول إنها طبقية كذلك.

عاش باموق في بيت لأسرة متوسطة عليا ممن اعتبروا أنفسهم ضمن نخبة من شأنها الحفاظ على الخط الأتاتوركي الذي حاول تأسيس تركيا غربية على حداثة مستعارة من الغرب، وكان في سبيل ذلك مضطرا لتقديم ذبيحة، كما اضطرت أسرة باموق لتقديم الذبيحة نفسها: الدين. ففي تركيا أتاتورك لم تكن هناك حاجة لدين معوق لمسيرة حافلة بالحداثة، ورغم ذلك كان الخدم في بيت باموق يصلون ويصومون كما لو أن أتاتورك لم يصل بعد. يبدو أن باموق قد تعاطف مع هؤلاء لأنهم ظهروا له كأشخاص "غير مؤذيين على عكس الرسوم الكاريكاتورية في الجرائد والفكر الجمهوري لأسرتي" يقول باموق. ولقد لاحظ باموق أيضا ـ كروائي ـ كيف أن عائلته التي لم تكن تصوم أبدا كانت تنظر إلى لحظة الغروب في شهر الصوم كلحظة ذات جلال. إن هذا الإجلال الذي حاولت أسرة برجوازية تنتمي للفكر الجمهوري أن تخفيه كان علامة على الإشكالية التي تكمن في صلب علاقتهم بالدين، والذي يمكن عده علامة على إشكالية علاقتهم بالتراث ككل، كان على تركيا أتاتورك أن تنتزع تراثها ولكنها في طريقها لفعل ذلك كانت تستسلم لشجنها البادي كنتاج للفقد والفراغ، باموق نفسه يصف الفراغ الذي خلفه الدين بخواء البيت.

ورغم أن باموق يشير أيضا إلى أن ما يشبه تقسيم العمل في بيته ما بين السادة العلمانيين والخدم المتدينين جعله يفكر في أن الدين ليس إلا عالم الفقراء وليس السادة فإنه يشير ـ رغم تعاطفه ـ إلا أنه لم يكن أمام السادة طريق آخر بديلا عن الاستسلام لخرافات المتدينين والتي كان من شأنها إعاقة الحداثة. لكن باموق ـ في رأيي ـ كان يؤرقه هاجس آخر في نظرته لإشكالية العلاقة بهؤلاء المتدينين، هذا الهاجس كان يتمثل في علاقته هو شخصيا كابن مدلل من أسرة متوسطة عليا إلى أحشاء المدينة وأكواخها التي تتساند على سكانها الفقراء، لقد كانت اسطنبول تعني هؤلاء الفقراء سكان الأحياء الفقيرة أكثر مما مثلته عائلته وعائلات كثيرة في الجوار.

يقول باموق "إنه كان من المريح أن نعرف أنهم يعتمدون على آخر لينقذهم وأن هناك قوة أخرى يمكن أن تحمل أعباءهم" وفي رأيي أنه يمكن إضافة استطراد على جملة باموق: "وأعباء طبقتي". بمعنى أن هذا الآخر الذي كانت تعوّل عليه أسرة باموق لتحمل أعباء الفقراء كانت أيضا تعوّل عليه في تحمل أعباءها هي ذاتها وهي أعباء نتجت عن قدر كبير من الإحساس بالذنب تجاه هؤلاء الفقراء. يشير باموق مثلا إلى أن عائلته كانت تواظب على تقديم الأضحية الإسلامية في العيد الأضحى بينما كانت تأكل هي نفسها من لحوم تأتي من المحلات الكبيرة في اسطنبول، لقد كانت هذه الراحة التي يتكلم عنها باموق "تتلاشى أحيانا نتيجة الخوف من أن الفقراء ربما يستخدمون ذات يوم علاقتهم الخاصة بالرب ضدنا"، لقد كان الخوف يتزايد إذا من الفقراء، ليس لتدينهم (الذي رُئي أنه معوّق للحداثة) ولكن لفقرهم. بمعنى آخر فإنه يبدو أن الحداثة التركية نتيجة لنخبويتها فرضت خوفا ثقيل الظل ليس من الإيمان ولكن من عقدة الذنب تجاه الفقراء والعامة سكان اسطنبول الحقيقيين.

من جهة أخرى فإننا يمكن قراءة الفكرة ذاتها في علاقة أسرته ـ والتي تمثل الحداثة الأتاتوركية ـ برغبته في أن يكون رساما. لقد بذل باموق ثلث عمره في تصور أن عليه أن يصبح رساما حتى أنه مع بداية مراهقته أصبح لديه مرسما خاصا، ورغم أن أفكار الحداثة التي تتبناها أسرته ـ والنخبة الأتاتوركية ـ كان من المفترض أن ترحب برغبته تلك ـ كأسرة حداثية ـ فإن أسرته استبعدت تماما أن يكون جادا في هذه الرغبة، أما حين تأكدت أسرته من جديته فإنها ـ ممثلة في أمه ـ حاولت إبعاده عن ذلك تماما، لأنها رأت أن ذلك لن يكون مقبولا إلا في أوروبا. لقد كانت تركيا ـ رغم الجمهورية ـ لم تصبح أوروبا بعد، ولذا كان على المتأوربين أن ينتظروا. باموق نفسه حين رغب في العيش كفنان بوهيمي أدرك أن تركيا لن تقبل بوهيميته، وكان عليه أن ينتظر أيضا.

ما كان عليه وأسرته أن ينتظروه هو التحول الحداثي كاملا وهو ما لم يكن متاحا بسبب الفقراء/المتدينين، لقد كان الفقر وليس الدين ـ في تصوري ـ وصمة في جبين الحداثة النخبوية التي كانت معتمدة من قبل أتاتورك والمؤسسة العسكرية التي يبدو أنها ـ في بنيتها العميقة ـ كانت تنتمي لما قبل الجمهورية. ما أقصده أن الانقسام بين النخبة الغنية والقاعدة الفقيرة، بين النخبة الحداثية والقاعدة المتدينة، بين الفكر الجمهوري وبين البنية الرجعية العميقة في البنيان التركي وصمت الانقسام بالـ "طبقية" طالما أن النخبة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ غنية وحداثية وجمهورية وطالما أن القاعدة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ فقيرة ورجعية.

ما يمكن ملاحظته أيضا أن ما كان يبث شعورا بالراحة لدى باموق وكثير من الناس لم يكن مشهد احتراق الأبنية الفقيرة وإنما حرائق اليالات (القصور الخشبية) التي كانت تحيط بالبوسفور والتي كان يسكنها فيما مضى السلاطين الأتراك ثم ورثتهم ثم الأثرياء الجدد في زمن الحرب. كانت هذه الحرائق مبعث راحة لباموق/الروائي ـ في رأيي ـ ليس لأنها بقايا الطبقات الرجعية ولكن لأنها بقايا الطبقات الثرية التي لم تكن حداثية بما يكفي للترحيب بتفرغ باموق للرسم، فهي كما صورها باموق طبقات تافهة لم تصنع لحياتها ولا لحياة الآخرين معنى، ولم تصنع حداثتها بينما كانت تلوك حداثات الآخرين.

في ملاحظة جديرة بالاعتبار يعلق باموق على المبالغات الكثيرة عن جمال اسطنبول التي كان يقوم بها كتاب أتراك غادروا تركيا وهو يفسر هذه المبالغات بأنها كانت "من حق من غادروها للعيش في بلاد أخرى فقط، ولا يخلو ذلك من الإحساس بالذنب". لقد كانت المبالغات في جمال اسطنبول تأتي عادة من الذين غادروها ازدراء لتخلفها ولم يمكنهم التغلب على الشعور بالذنب الناتج عن هذا الازدراء لمدينة لم تصنع حداثتها ولكنهم في الوقت نفسه قد هربوا قبل أن يصنعوها لها. يقول باموق "إن الشرق مكان رائع لو لم يكن الغرب" وهو يعني ذلك تماما فقط حين تتنازعه رغبته في أن تكون تركيا أوروبية وفي أن تكون تركيا تركية في الوقت نفسه. الرغبة في إخلاء البيت والرغبة في بقائه ممتلئا ودافئا هما طرفا الإشكالية وهما ما يسببان شجن المدينة والذات الراوية أو إن شئنا الذات الرائية.

إن الذات الرائية تكتشف اسطنبول في أحيائها الفقيرة التي تمد جذورها في أبعد تاريخ للمدينة بينما سكان القصر الجمهوري بمساندة المؤسسة العسكرية يتجاهلان الخواء الذي يمكن أن ينتج عن استبعاد هذا التاريخ. وفي رأيي أن أي حداثة نرغب في تأسيسها لا تأخذ بعين الاعتبار ولا الجدية هذا التاريخ الذي يسكن البشر لن تكون لها معنى ولن يكون لها مردود إلا مزيد من الشجن الذي لا نهاية له.

تربطنا بتركيا علاقة أكبر من التاريخ الممتد فيما بيننا ولنا أن نتفهم أزمة حداثتها إذا ما أردنا أن نجيب على السؤال: لماذا فشلت حداثتنا التي بدت قريبة في بدايات القرن العشرين. لقد فشلنا لأن أي حداثة لا تأخذ في اعتبارها الدين ـ من حيث هو تراث ـ لن يكون لها أتباع كثر، ولأن أي حداثة نخبوية تتجاهل القاعدة العريضة حتى ولو كانت مدعومة بمؤسسة ما لن يكون لها فاعلية، ولأن أي حداثة تقوم على ثنائية طبقية ما بين من يستفيدون من الحداثة دون أن يصنعوها (طبقة الأثرياء الجدد في مصر مثلا) وما بين من يرفضونها لأنها تقع خارج دوائر اكتراثهم (الواقفون في طوابير الخبز مثلا) لن تكون حداثة حقيقية. يمكن القول إنه لدينا نخبة مثقفة حداثية تتكلم (حداثة) فيما بينها وتعول على الآخرين فشلها طوال الوقت، كما أن لدينا نخبة اجتماعية لديها شراهة استيراد الحداثة من أوروبا مع باقات الورد والكافيار، كما أن لدينا قاعدة فقيرة ورجعية ترى ـ النخبة المثقفة والاجتماعية ـ ضرورة التخلص منها ـ كمرض ـ لأنها معوق الحداثة. علينا إذا أن نتخلى عن هذه النخبوية وتجاهلها لتدين المصريين وفقرهم إذا ما أردنا لمدينتنا ألا يكون لها شجن اسطنبول.

09 September 2009

تديين الحياة.. مفسدة لكليهما

منتخب مصر "الصائم" في مواجهة مصيرية أمام رواندا "المفطرة".. هكذا جاء العنوان الرئيس في صفحة الرياضة بجريدة المصري اليوم. لشخص عابر اعتاد أن يقرأ العناوين بعجالة قد يرد لذهنه أن معركة مصيرية بين مصر ورواندا صبيحة هذا اليوم، وأن المعركة لاشك دينية، ذلك أن العنوان يشطر العالم إلى شطر صائم (أي متدين) وشطر فاطر (أي غير متدين ـ كافر). أما بالنسبة لشخص يبحث عن أخبار جديدة حول المنتخب ومباراته الموشكة فسوف يسأل إذا ما كان الفريق قد تجاهل الفتوى التي منحته رخصة الإفطار في رمضان بسبب المباراة وإذا ما كان للقديس أبو تريكة ـ الذي نُشر فور وصوله أرض رواندا خبر تبرعه لبناء مسجد ـ دخل في التأثير على زملائه وإقناعهم بعدم الالتزام بالفتوى. أما بالنسبة لشخص لا يعرف عن رواندا أكثر من أنها الدولة التي سوف يلتقي منتخبنا الوطني بمنتخبها الوطني فربما يسأل بينه وبين نفسه إذا ما كان وصفها ـ في العنوان ـ بأنها فاطرة إشارة لكونها دولة غير مسلمة أم إشارة لفتوى مثيلة تلقاها لاعبوها من مفتيهم الذي لم يشأ أن يكون أقل وطنيه من نظيره المصري. وبالنسبة لشخص يعرف أن أربعة في المائة فحسب من سكانها مسلمون فسوف تصله الإشارة كاملة: مواجهة مصيرية بين فريق مؤمن وفريق كافر، وفي مثل هذه المعارك النصرة دائما للمؤمنين!

ولكن؛ بالنسبة لشخص عاش عمره على ثقة في أن تديين الحياة مفسدة لكليهما.. الدين والحياة.. فسوف يستفزه ما في العنوان من تجذير للخطاب الثقافي العام في مصر والذي أصبح يستند على أرضية دينية إسلامية أصولية تقسم العالم إلى فئتين لا ثالث لهما، فإما مسلمين مستنسخين، نسخ مكرورة في الفكر والهيئة والشعور، وإما فئة ضالة لم تهتد بعد. يتشارك في الأخيرة المسلمون المخالفون في فهمهم للإسلام (حتى وإن صلوا وإن صاموا، كالشيعة والمعتدلين) والمخالفون في العقيدة وغير المعتقدين في أي شيء أيضا. كما لو أن على الجميع الإيمان بالرب نفسه وبالطريقة نفسها، رغبة أو رهبة أو ـ إن شئت ـ إرهابا.

تحتفظ ذاكرتي من كل ركام الكلمات التي تلقيتها طفلا وشابا في مساجد شتى بجملة قالها شيخ كان يحفظنا القرآن في طفولتي، قال لنا إننا يمكننا أن نتكسب عددا وفيرا من الحسنات بينما نأكل طعامنا، فقط إذا ما أكلنا وفي ضميرنا أننا نفعل ذلك للبقاء أحياء كمؤمنين صالحين لاستكمال مسيرتنا السامية في جعل العالم الذي نعيشه أكثر جمالا وعدلا. ما كان يعني أن مسألة الإيمان أولا تعتمد على الشخص نفسه، وأنها ثانيا علاقة شخصية ومباشرة بالله وليس لشخص آخر أن يكون حكما عليها. بعدها بسنوات فهمت كيف يمكن أن يكون "تبسمك في وجه أخيك صدقة". بعدها بسنوات أكثر فهمت كيف أنه لا يمكن عزل الإيمان عن الحياة. أن أكف الناس شري وخداعي وكذبي لأن الله راهن علينا ـ كبشر ـ في فعل ذلك. "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لم يقولوا أتجعل فيها من لا يُقيم صلاة ولا يدفع زكاة ولا يفرض تدينه على الآخرين، قال "إني أعلم ما لا تعلمون".. راهن الله على قدرة البشر على إحلال السلام والعدل والخير والحب في عالم يبوء بالحيوانية.

فهمت كل ذلك حين لم يكن العالم قد تحول بعد لتديين الحياة، كان الدين يسري في الحياة ببساطة، ببساطة ابتسامة ترتسم على وجهك بينما تقول لأحدهم "صباح الخير" فتزرع في وجهه بساتين رضا وسعادة بينما يعيدها إليك بأحسن منها "صباح الفل"، بينما يفكر كل منكما في أن تبسمه في وجه أخيه صدقة.

الآن لن يمكن لأحدهم الكلام عن هذه البساطة المنتشية كحقول خضراء بامتداد البصر. بعد أن جدبت الحقول اللينة. الآن لن يمكن التفكير إلا في تديين الحياة، في لوي ذراعها كي تؤمن، في تخييرها بين الإيمان وبين إقامة الحد. الفارق بين العالمين، بين دين يسري في القلوب ويورّد الخدود وبين دين يحجب العالم ويعزله كبير بحجم مأساة. كان يكفي في زمن البراءة أن تبتسم في وجه أخيك، الآن عليك أن تشيح بوجهك عنه لأنه لا يحضر معك درس العصر، وأن تزلزله بنظرة لأنه قابلك بابتسامة موقعة بـ "صباح الخير" وليس "السلام عليكم"، عبارة السلام المعتمدة من عمداء تديين الحياة، وأن ترفض الانصياع له إذا ما طلب منك مشاركته الشكوى من فوضى الآذان، وأن تلغيه من حياتك تماما لأنه يقبل لزوجته أن تذهب لعملها بلا حجاب.

في زمن تبسمك في وجه أخيك صدقة كان على كل منا اكتشاف إلهه بنفسه، بعضنا التقاه في المسجد بينما كان يتلمس طريقه لحفظ قصارى السور، وأغلبنا التقيناه في أماكن أخرى. أنا شخصيا تعرفت عليه في مداومة التفكير في سلاسل التدبيرات الصدفوية التي لا تُفهم في حينها. أسلم صديق بعد أن سمع القرآن بصوت المنشاوي فاكتشف ـ على حد قوله ـ أن القرآن جميل وليس قاسيا كما سمعه في أماكن عديدة. كان على كل منا أيضا تعاطي الدين كممارسة.. كتجربة.. نجلس وأصدقائي لنأكل دون أن يشغلنا التأكد مما إذا كان من يجاورنا يأكل طعامه لذاته أم لاستكمال مسيرته المقدسة لجعل العالم أكثر جمالا وعدلا. لن أدعي أننا كنا نجلس دون سابق معرفة بما يحمله كل منا من عقيدة، ولكن على الأقل كنا نجلس دون أن ننشغل بما يمكن أن يعنيه ذلك. لم يكن العالم قد تقسّم بعد. لم يكن العالم قد تقسم بعد بين فريقين فريق المؤمنين وفريق الكافرين.

الذين ينشغلون كثيرا بمثل هذا التقسيم يتجاهلون أنه من المستحيل تبني فكرة التقسيم أصلا لأنها عبث. في زحام الفرق هذا.. شيعة وسنة وكاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ويهود صهاينة ويهود توراتيين ومؤمنين غير مشغولين بالرسالات وملحدين، ناهيك عن الزرادشت والبوذيين.. كيف يمكن لأحدهم أن يعتقد أنه صاحب الحقيقة الوحيدة. إذا كان تصورنا عن الله ـ الذي نبرر به كل أحقادنا وتعصباتنا الدينية ـ غير متطابق حتى داخل الملة الواحدة، هل يمكن الجزم بأن مجموع المصلين في صلاة العشاء القادمة في مسجد الحي يتوافقون في تصورهم عن الله، تصورهم عن الجنة، عن النبي محمد. هل يتفقون جميعا على صورة الرب المنتقم الجبار أم على صورة الرب العفو الغفور، هل يؤمنون جميعا بأنهم سوف يحرقون في قبورهم وسوف يدكون بمطارق من حديد لسابع أرض، أم يؤمنون بأنهم سوف يصعدون إلى السماء ومن ثم فلا حاجة لتقطيع أوصال أجسادهم. إذا كان اثنان منهما متجاورين في الصلاة لا يؤمنان بالدرجة نفسها ولا على النحو نفسه ومع هذا يتشاركان الصلاة، فماذا عن ملايين البشر خارج الجدران الأربعة للمسجد؟!

يتشاركان الصلاة، رغم كل شيء، لأنهما؛ بينما يسويان الصف ويسدان الفرج تكون روح كل منهما في معية الله، بالشكل الذي يليق بروح كل منهما، دون أن تكون لأحدهما وصاية على من يجاوره. ولنتخيل حوارا عابرا بينهما قبل الصلاة، إذا ما قررا الاتفاق أولا بشأن إيمانهما قبل المضي قدما في الصلاة، إذا ما اختلفا، إذا ما قرر أحدهما أن الآخر ليس مؤمنا بالقدر الكاف، أو أنه لا يصلح كشريك في صلاة لأنه ينكر مثلا أن السواك من السنة المؤكدة، أو أنه سوف يفسد صلاته لأنه لم يلتزم في وضوئه بالترتيب المناسب ولم يقتنع أن عليه أن يضع كفيه مائلا جهة اليسار. كيف سيمضيان في حياتهما بعد حوار كهذا إذا ما وجدا في أنفسهما طاقة كبيرة على التمسك بما يعتقدانه، بما يظنانه الصواب الوحيد، الحقيقة الكاملة.

تديين الحياة مفسدة لكليهما، للدين وللحياة، لأننا لن نتفق أبدا على إيماننا، ولكن قد نتفق على الوقوف صفا واحدا في مسجد، في ممر بمصلحة حكومية، في إشارة مرور، في نفق، أو فوق جسر، في طابور للعيش، في طريق معبد بتطلعاتنا للمستقبل، إن أردنا أن يكون لمستقبلنا رائحة العدل، لا رائحة الحرب الدينية.