28 September 2009

أسطنبول باموق.. أتاتورك.. الحداثة والشجن

في روايته "اسطنبول.. الذكريات والمدينة" 2003 يقول باموق "لقد وصفت نفسي عندما كنت أصف المدينة ووصفت المدينة عندما كنت أصف نفسي" كاشفا عن منهج روايته التي يتداخل فيها النظر إلى الداخل والنظر إلى الخارج، حيث تتماهى ذات الراوي/باموق في مدينته التي يصمها بالسوداوية طوال فصول الرواية، وفي رأيي أن كلمة السوداوية ليست هي الكلمة الصحيحة في هذا السياق فما يشير إليه باموق يمكن ترجمته بالشجن وليس بالسوداوية ولا بالحزن كما ورد في ترجمة الرواية، ولكن ليس هذا موضوعنا الآن.

ما يحاول الراوي مقاربته طوال الرواية ليس منح المدينة ولا ذاته طابعا حزينا كما لو كان يرسم لوحة باهتة الألوان، ولكن ما يحاوله هو مقاربة الإشكالية التي تمنح المدينة/الذات هذا الطابع الحزين أو إن شئنا الدقة: هذا الطابع الشجي. وما أتصوره أن ما وراء هذا الشجن هو الوضع الإشكالي للأزمة التركية كدولة تقع في منطقة المابين، كذلك فإن التاريخ الذي يتكلم عنه باموق ويسنده إلى مدينته يقع أيضا في منطقة المابين، كما أن باموق نفسه كمثقف تركي يشغل منطقة المابين كما سنرى. المهم أنه رغم ما في الرواية من إسهاب في وصف اسطنبول وتفاصيلها وشوارعها وميادينها (ميدان تقسيم بخاصة) فإن مرتكز هذا الوصف يبدو في الجهة الأخرى وأعني بها البوسفور. إلا أنه يمكن القول إن الرواية ـ رغم تمازج التاريخي بالجغرافي ـ فإنها ليست عن التاريخي ولا عن الجغرافي فلا يجب أن ننسى أنها رواية وأنها كتبت بيد كاتب روائي وليس مؤرخا، وهذه أزمة أخرى في علاقة باموق/الذات الراوية بمدينته.

ولأنها رواية فإن الراوي يلتقط خيطا في إشكالية الدين التي يمكن عدها مركز الإشكالية التركية، مع ملاحظة أن الدين هنا سوف يناقش من الناحية الاجتماعية، وليس كعقيدة، بمعنى آخر فإن ما أفترض أنه قراءة صحيحة لإشكالية الحداثة في تركيا كما هي في كتاب باموق تتعلق بعلاقة الأتراك بالدين والتي ـ كما لاحظت ـ تصطبغ بصبغة اجتماعية، بل يمكن القول إنها طبقية كذلك.

عاش باموق في بيت لأسرة متوسطة عليا ممن اعتبروا أنفسهم ضمن نخبة من شأنها الحفاظ على الخط الأتاتوركي الذي حاول تأسيس تركيا غربية على حداثة مستعارة من الغرب، وكان في سبيل ذلك مضطرا لتقديم ذبيحة، كما اضطرت أسرة باموق لتقديم الذبيحة نفسها: الدين. ففي تركيا أتاتورك لم تكن هناك حاجة لدين معوق لمسيرة حافلة بالحداثة، ورغم ذلك كان الخدم في بيت باموق يصلون ويصومون كما لو أن أتاتورك لم يصل بعد. يبدو أن باموق قد تعاطف مع هؤلاء لأنهم ظهروا له كأشخاص "غير مؤذيين على عكس الرسوم الكاريكاتورية في الجرائد والفكر الجمهوري لأسرتي" يقول باموق. ولقد لاحظ باموق أيضا ـ كروائي ـ كيف أن عائلته التي لم تكن تصوم أبدا كانت تنظر إلى لحظة الغروب في شهر الصوم كلحظة ذات جلال. إن هذا الإجلال الذي حاولت أسرة برجوازية تنتمي للفكر الجمهوري أن تخفيه كان علامة على الإشكالية التي تكمن في صلب علاقتهم بالدين، والذي يمكن عده علامة على إشكالية علاقتهم بالتراث ككل، كان على تركيا أتاتورك أن تنتزع تراثها ولكنها في طريقها لفعل ذلك كانت تستسلم لشجنها البادي كنتاج للفقد والفراغ، باموق نفسه يصف الفراغ الذي خلفه الدين بخواء البيت.

ورغم أن باموق يشير أيضا إلى أن ما يشبه تقسيم العمل في بيته ما بين السادة العلمانيين والخدم المتدينين جعله يفكر في أن الدين ليس إلا عالم الفقراء وليس السادة فإنه يشير ـ رغم تعاطفه ـ إلا أنه لم يكن أمام السادة طريق آخر بديلا عن الاستسلام لخرافات المتدينين والتي كان من شأنها إعاقة الحداثة. لكن باموق ـ في رأيي ـ كان يؤرقه هاجس آخر في نظرته لإشكالية العلاقة بهؤلاء المتدينين، هذا الهاجس كان يتمثل في علاقته هو شخصيا كابن مدلل من أسرة متوسطة عليا إلى أحشاء المدينة وأكواخها التي تتساند على سكانها الفقراء، لقد كانت اسطنبول تعني هؤلاء الفقراء سكان الأحياء الفقيرة أكثر مما مثلته عائلته وعائلات كثيرة في الجوار.

يقول باموق "إنه كان من المريح أن نعرف أنهم يعتمدون على آخر لينقذهم وأن هناك قوة أخرى يمكن أن تحمل أعباءهم" وفي رأيي أنه يمكن إضافة استطراد على جملة باموق: "وأعباء طبقتي". بمعنى أن هذا الآخر الذي كانت تعوّل عليه أسرة باموق لتحمل أعباء الفقراء كانت أيضا تعوّل عليه في تحمل أعباءها هي ذاتها وهي أعباء نتجت عن قدر كبير من الإحساس بالذنب تجاه هؤلاء الفقراء. يشير باموق مثلا إلى أن عائلته كانت تواظب على تقديم الأضحية الإسلامية في العيد الأضحى بينما كانت تأكل هي نفسها من لحوم تأتي من المحلات الكبيرة في اسطنبول، لقد كانت هذه الراحة التي يتكلم عنها باموق "تتلاشى أحيانا نتيجة الخوف من أن الفقراء ربما يستخدمون ذات يوم علاقتهم الخاصة بالرب ضدنا"، لقد كان الخوف يتزايد إذا من الفقراء، ليس لتدينهم (الذي رُئي أنه معوّق للحداثة) ولكن لفقرهم. بمعنى آخر فإنه يبدو أن الحداثة التركية نتيجة لنخبويتها فرضت خوفا ثقيل الظل ليس من الإيمان ولكن من عقدة الذنب تجاه الفقراء والعامة سكان اسطنبول الحقيقيين.

من جهة أخرى فإننا يمكن قراءة الفكرة ذاتها في علاقة أسرته ـ والتي تمثل الحداثة الأتاتوركية ـ برغبته في أن يكون رساما. لقد بذل باموق ثلث عمره في تصور أن عليه أن يصبح رساما حتى أنه مع بداية مراهقته أصبح لديه مرسما خاصا، ورغم أن أفكار الحداثة التي تتبناها أسرته ـ والنخبة الأتاتوركية ـ كان من المفترض أن ترحب برغبته تلك ـ كأسرة حداثية ـ فإن أسرته استبعدت تماما أن يكون جادا في هذه الرغبة، أما حين تأكدت أسرته من جديته فإنها ـ ممثلة في أمه ـ حاولت إبعاده عن ذلك تماما، لأنها رأت أن ذلك لن يكون مقبولا إلا في أوروبا. لقد كانت تركيا ـ رغم الجمهورية ـ لم تصبح أوروبا بعد، ولذا كان على المتأوربين أن ينتظروا. باموق نفسه حين رغب في العيش كفنان بوهيمي أدرك أن تركيا لن تقبل بوهيميته، وكان عليه أن ينتظر أيضا.

ما كان عليه وأسرته أن ينتظروه هو التحول الحداثي كاملا وهو ما لم يكن متاحا بسبب الفقراء/المتدينين، لقد كان الفقر وليس الدين ـ في تصوري ـ وصمة في جبين الحداثة النخبوية التي كانت معتمدة من قبل أتاتورك والمؤسسة العسكرية التي يبدو أنها ـ في بنيتها العميقة ـ كانت تنتمي لما قبل الجمهورية. ما أقصده أن الانقسام بين النخبة الغنية والقاعدة الفقيرة، بين النخبة الحداثية والقاعدة المتدينة، بين الفكر الجمهوري وبين البنية الرجعية العميقة في البنيان التركي وصمت الانقسام بالـ "طبقية" طالما أن النخبة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ غنية وحداثية وجمهورية وطالما أن القاعدة كانت ـ حتى ذلك الحين ـ فقيرة ورجعية.

ما يمكن ملاحظته أيضا أن ما كان يبث شعورا بالراحة لدى باموق وكثير من الناس لم يكن مشهد احتراق الأبنية الفقيرة وإنما حرائق اليالات (القصور الخشبية) التي كانت تحيط بالبوسفور والتي كان يسكنها فيما مضى السلاطين الأتراك ثم ورثتهم ثم الأثرياء الجدد في زمن الحرب. كانت هذه الحرائق مبعث راحة لباموق/الروائي ـ في رأيي ـ ليس لأنها بقايا الطبقات الرجعية ولكن لأنها بقايا الطبقات الثرية التي لم تكن حداثية بما يكفي للترحيب بتفرغ باموق للرسم، فهي كما صورها باموق طبقات تافهة لم تصنع لحياتها ولا لحياة الآخرين معنى، ولم تصنع حداثتها بينما كانت تلوك حداثات الآخرين.

في ملاحظة جديرة بالاعتبار يعلق باموق على المبالغات الكثيرة عن جمال اسطنبول التي كان يقوم بها كتاب أتراك غادروا تركيا وهو يفسر هذه المبالغات بأنها كانت "من حق من غادروها للعيش في بلاد أخرى فقط، ولا يخلو ذلك من الإحساس بالذنب". لقد كانت المبالغات في جمال اسطنبول تأتي عادة من الذين غادروها ازدراء لتخلفها ولم يمكنهم التغلب على الشعور بالذنب الناتج عن هذا الازدراء لمدينة لم تصنع حداثتها ولكنهم في الوقت نفسه قد هربوا قبل أن يصنعوها لها. يقول باموق "إن الشرق مكان رائع لو لم يكن الغرب" وهو يعني ذلك تماما فقط حين تتنازعه رغبته في أن تكون تركيا أوروبية وفي أن تكون تركيا تركية في الوقت نفسه. الرغبة في إخلاء البيت والرغبة في بقائه ممتلئا ودافئا هما طرفا الإشكالية وهما ما يسببان شجن المدينة والذات الراوية أو إن شئنا الذات الرائية.

إن الذات الرائية تكتشف اسطنبول في أحيائها الفقيرة التي تمد جذورها في أبعد تاريخ للمدينة بينما سكان القصر الجمهوري بمساندة المؤسسة العسكرية يتجاهلان الخواء الذي يمكن أن ينتج عن استبعاد هذا التاريخ. وفي رأيي أن أي حداثة نرغب في تأسيسها لا تأخذ بعين الاعتبار ولا الجدية هذا التاريخ الذي يسكن البشر لن تكون لها معنى ولن يكون لها مردود إلا مزيد من الشجن الذي لا نهاية له.

تربطنا بتركيا علاقة أكبر من التاريخ الممتد فيما بيننا ولنا أن نتفهم أزمة حداثتها إذا ما أردنا أن نجيب على السؤال: لماذا فشلت حداثتنا التي بدت قريبة في بدايات القرن العشرين. لقد فشلنا لأن أي حداثة لا تأخذ في اعتبارها الدين ـ من حيث هو تراث ـ لن يكون لها أتباع كثر، ولأن أي حداثة نخبوية تتجاهل القاعدة العريضة حتى ولو كانت مدعومة بمؤسسة ما لن يكون لها فاعلية، ولأن أي حداثة تقوم على ثنائية طبقية ما بين من يستفيدون من الحداثة دون أن يصنعوها (طبقة الأثرياء الجدد في مصر مثلا) وما بين من يرفضونها لأنها تقع خارج دوائر اكتراثهم (الواقفون في طوابير الخبز مثلا) لن تكون حداثة حقيقية. يمكن القول إنه لدينا نخبة مثقفة حداثية تتكلم (حداثة) فيما بينها وتعول على الآخرين فشلها طوال الوقت، كما أن لدينا نخبة اجتماعية لديها شراهة استيراد الحداثة من أوروبا مع باقات الورد والكافيار، كما أن لدينا قاعدة فقيرة ورجعية ترى ـ النخبة المثقفة والاجتماعية ـ ضرورة التخلص منها ـ كمرض ـ لأنها معوق الحداثة. علينا إذا أن نتخلى عن هذه النخبوية وتجاهلها لتدين المصريين وفقرهم إذا ما أردنا لمدينتنا ألا يكون لها شجن اسطنبول.

09 September 2009

تديين الحياة.. مفسدة لكليهما

منتخب مصر "الصائم" في مواجهة مصيرية أمام رواندا "المفطرة".. هكذا جاء العنوان الرئيس في صفحة الرياضة بجريدة المصري اليوم. لشخص عابر اعتاد أن يقرأ العناوين بعجالة قد يرد لذهنه أن معركة مصيرية بين مصر ورواندا صبيحة هذا اليوم، وأن المعركة لاشك دينية، ذلك أن العنوان يشطر العالم إلى شطر صائم (أي متدين) وشطر فاطر (أي غير متدين ـ كافر). أما بالنسبة لشخص يبحث عن أخبار جديدة حول المنتخب ومباراته الموشكة فسوف يسأل إذا ما كان الفريق قد تجاهل الفتوى التي منحته رخصة الإفطار في رمضان بسبب المباراة وإذا ما كان للقديس أبو تريكة ـ الذي نُشر فور وصوله أرض رواندا خبر تبرعه لبناء مسجد ـ دخل في التأثير على زملائه وإقناعهم بعدم الالتزام بالفتوى. أما بالنسبة لشخص لا يعرف عن رواندا أكثر من أنها الدولة التي سوف يلتقي منتخبنا الوطني بمنتخبها الوطني فربما يسأل بينه وبين نفسه إذا ما كان وصفها ـ في العنوان ـ بأنها فاطرة إشارة لكونها دولة غير مسلمة أم إشارة لفتوى مثيلة تلقاها لاعبوها من مفتيهم الذي لم يشأ أن يكون أقل وطنيه من نظيره المصري. وبالنسبة لشخص يعرف أن أربعة في المائة فحسب من سكانها مسلمون فسوف تصله الإشارة كاملة: مواجهة مصيرية بين فريق مؤمن وفريق كافر، وفي مثل هذه المعارك النصرة دائما للمؤمنين!

ولكن؛ بالنسبة لشخص عاش عمره على ثقة في أن تديين الحياة مفسدة لكليهما.. الدين والحياة.. فسوف يستفزه ما في العنوان من تجذير للخطاب الثقافي العام في مصر والذي أصبح يستند على أرضية دينية إسلامية أصولية تقسم العالم إلى فئتين لا ثالث لهما، فإما مسلمين مستنسخين، نسخ مكرورة في الفكر والهيئة والشعور، وإما فئة ضالة لم تهتد بعد. يتشارك في الأخيرة المسلمون المخالفون في فهمهم للإسلام (حتى وإن صلوا وإن صاموا، كالشيعة والمعتدلين) والمخالفون في العقيدة وغير المعتقدين في أي شيء أيضا. كما لو أن على الجميع الإيمان بالرب نفسه وبالطريقة نفسها، رغبة أو رهبة أو ـ إن شئت ـ إرهابا.

تحتفظ ذاكرتي من كل ركام الكلمات التي تلقيتها طفلا وشابا في مساجد شتى بجملة قالها شيخ كان يحفظنا القرآن في طفولتي، قال لنا إننا يمكننا أن نتكسب عددا وفيرا من الحسنات بينما نأكل طعامنا، فقط إذا ما أكلنا وفي ضميرنا أننا نفعل ذلك للبقاء أحياء كمؤمنين صالحين لاستكمال مسيرتنا السامية في جعل العالم الذي نعيشه أكثر جمالا وعدلا. ما كان يعني أن مسألة الإيمان أولا تعتمد على الشخص نفسه، وأنها ثانيا علاقة شخصية ومباشرة بالله وليس لشخص آخر أن يكون حكما عليها. بعدها بسنوات فهمت كيف يمكن أن يكون "تبسمك في وجه أخيك صدقة". بعدها بسنوات أكثر فهمت كيف أنه لا يمكن عزل الإيمان عن الحياة. أن أكف الناس شري وخداعي وكذبي لأن الله راهن علينا ـ كبشر ـ في فعل ذلك. "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لم يقولوا أتجعل فيها من لا يُقيم صلاة ولا يدفع زكاة ولا يفرض تدينه على الآخرين، قال "إني أعلم ما لا تعلمون".. راهن الله على قدرة البشر على إحلال السلام والعدل والخير والحب في عالم يبوء بالحيوانية.

فهمت كل ذلك حين لم يكن العالم قد تحول بعد لتديين الحياة، كان الدين يسري في الحياة ببساطة، ببساطة ابتسامة ترتسم على وجهك بينما تقول لأحدهم "صباح الخير" فتزرع في وجهه بساتين رضا وسعادة بينما يعيدها إليك بأحسن منها "صباح الفل"، بينما يفكر كل منكما في أن تبسمه في وجه أخيه صدقة.

الآن لن يمكن لأحدهم الكلام عن هذه البساطة المنتشية كحقول خضراء بامتداد البصر. بعد أن جدبت الحقول اللينة. الآن لن يمكن التفكير إلا في تديين الحياة، في لوي ذراعها كي تؤمن، في تخييرها بين الإيمان وبين إقامة الحد. الفارق بين العالمين، بين دين يسري في القلوب ويورّد الخدود وبين دين يحجب العالم ويعزله كبير بحجم مأساة. كان يكفي في زمن البراءة أن تبتسم في وجه أخيك، الآن عليك أن تشيح بوجهك عنه لأنه لا يحضر معك درس العصر، وأن تزلزله بنظرة لأنه قابلك بابتسامة موقعة بـ "صباح الخير" وليس "السلام عليكم"، عبارة السلام المعتمدة من عمداء تديين الحياة، وأن ترفض الانصياع له إذا ما طلب منك مشاركته الشكوى من فوضى الآذان، وأن تلغيه من حياتك تماما لأنه يقبل لزوجته أن تذهب لعملها بلا حجاب.

في زمن تبسمك في وجه أخيك صدقة كان على كل منا اكتشاف إلهه بنفسه، بعضنا التقاه في المسجد بينما كان يتلمس طريقه لحفظ قصارى السور، وأغلبنا التقيناه في أماكن أخرى. أنا شخصيا تعرفت عليه في مداومة التفكير في سلاسل التدبيرات الصدفوية التي لا تُفهم في حينها. أسلم صديق بعد أن سمع القرآن بصوت المنشاوي فاكتشف ـ على حد قوله ـ أن القرآن جميل وليس قاسيا كما سمعه في أماكن عديدة. كان على كل منا أيضا تعاطي الدين كممارسة.. كتجربة.. نجلس وأصدقائي لنأكل دون أن يشغلنا التأكد مما إذا كان من يجاورنا يأكل طعامه لذاته أم لاستكمال مسيرته المقدسة لجعل العالم أكثر جمالا وعدلا. لن أدعي أننا كنا نجلس دون سابق معرفة بما يحمله كل منا من عقيدة، ولكن على الأقل كنا نجلس دون أن ننشغل بما يمكن أن يعنيه ذلك. لم يكن العالم قد تقسّم بعد. لم يكن العالم قد تقسم بعد بين فريقين فريق المؤمنين وفريق الكافرين.

الذين ينشغلون كثيرا بمثل هذا التقسيم يتجاهلون أنه من المستحيل تبني فكرة التقسيم أصلا لأنها عبث. في زحام الفرق هذا.. شيعة وسنة وكاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ويهود صهاينة ويهود توراتيين ومؤمنين غير مشغولين بالرسالات وملحدين، ناهيك عن الزرادشت والبوذيين.. كيف يمكن لأحدهم أن يعتقد أنه صاحب الحقيقة الوحيدة. إذا كان تصورنا عن الله ـ الذي نبرر به كل أحقادنا وتعصباتنا الدينية ـ غير متطابق حتى داخل الملة الواحدة، هل يمكن الجزم بأن مجموع المصلين في صلاة العشاء القادمة في مسجد الحي يتوافقون في تصورهم عن الله، تصورهم عن الجنة، عن النبي محمد. هل يتفقون جميعا على صورة الرب المنتقم الجبار أم على صورة الرب العفو الغفور، هل يؤمنون جميعا بأنهم سوف يحرقون في قبورهم وسوف يدكون بمطارق من حديد لسابع أرض، أم يؤمنون بأنهم سوف يصعدون إلى السماء ومن ثم فلا حاجة لتقطيع أوصال أجسادهم. إذا كان اثنان منهما متجاورين في الصلاة لا يؤمنان بالدرجة نفسها ولا على النحو نفسه ومع هذا يتشاركان الصلاة، فماذا عن ملايين البشر خارج الجدران الأربعة للمسجد؟!

يتشاركان الصلاة، رغم كل شيء، لأنهما؛ بينما يسويان الصف ويسدان الفرج تكون روح كل منهما في معية الله، بالشكل الذي يليق بروح كل منهما، دون أن تكون لأحدهما وصاية على من يجاوره. ولنتخيل حوارا عابرا بينهما قبل الصلاة، إذا ما قررا الاتفاق أولا بشأن إيمانهما قبل المضي قدما في الصلاة، إذا ما اختلفا، إذا ما قرر أحدهما أن الآخر ليس مؤمنا بالقدر الكاف، أو أنه لا يصلح كشريك في صلاة لأنه ينكر مثلا أن السواك من السنة المؤكدة، أو أنه سوف يفسد صلاته لأنه لم يلتزم في وضوئه بالترتيب المناسب ولم يقتنع أن عليه أن يضع كفيه مائلا جهة اليسار. كيف سيمضيان في حياتهما بعد حوار كهذا إذا ما وجدا في أنفسهما طاقة كبيرة على التمسك بما يعتقدانه، بما يظنانه الصواب الوحيد، الحقيقة الكاملة.

تديين الحياة مفسدة لكليهما، للدين وللحياة، لأننا لن نتفق أبدا على إيماننا، ولكن قد نتفق على الوقوف صفا واحدا في مسجد، في ممر بمصلحة حكومية، في إشارة مرور، في نفق، أو فوق جسر، في طابور للعيش، في طريق معبد بتطلعاتنا للمستقبل، إن أردنا أن يكون لمستقبلنا رائحة العدل، لا رائحة الحرب الدينية.

31 August 2009

المواطنة هي الحل


في بريطانيا تم إيقاف إحدى الممرضات لأنها عرضت على أحد مرضاها أن تصلي من أجله. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك قبل أن يعرف أن مبررات الحكومة الإنجليزية ومجلس شيوخها في معارضة مناقشة الأمور الروحية في دور الرعاية الصحية تتلخص في التالي: أولا يُعد هذا الأمر تعديا على الحرية الشخصية للمريض، فمن المحتمل أن تكون عقائد كل من القائم على الرعاية الطبية والمريض مختلفة، ثانيا ـ وهو الأهم ـ قد يشعر بعض المرضى بالحرج فيُجبرون على تلبية الاقتراحات والوصايا الروحية للقائم على الرعاية الطبية خشية أن يؤثر رفضهم على تلقي الرعاية، ثالثا خوفا من أن تفلت الأمور من السيطرة فتتحول المشافي إلى مراكز وعظية. قد يتخذ أحدهم من هذا الموقف ذريعة لمهاجمة العلمانية الغربية واصفا إياها بأنها ضد الدين، قد يفعل ذلك ـ كما قلت في صدر المقال ـ دون أن يعرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ، لكنه قد يفعل ذلك أيضا حتى بعد أن عرف مبررات الحكومة ومجلس الشيوخ!

هؤلاء الذين سوف يتخذون هذا الموقف سوف يستند موقفهم على أرضية أن العلمانية تعارض الدين، وهي الأرضية التي يقف عليها الجميع تقريبا في مصر ـ بلا مراجعة ـ رغم طاحونة الحقد التي دارت بين مسلمي ومسيحيي الوطن، والتي لم يعد سبيل إلى إنكارها، وسوف تدور رحى كثيرة طاحنة شعار العلمانية الأشهر في أدبيات العلمانيين والمتدينين على السواء، وأعني به شعار "فصل الدين عن الدولة" والذي يُعد إختزالا للشعار الأكثر شمولا وأعني به "فصل العبادات عن المعاملات" بالمصطلحات الإسلامية. الأخير والذي سوف ينال هجوما كبيرا يعني بالأساس ألا تتدخل الأمور العقائدية في الأمور المعاملتية، بمعنى أن العلاقة بين القائم على الرعاية الطبية مثلا والمريض ليس من المفترض أن يُلوّنها الاتفاق أو الاختلاف في العقيدة، وهو ما يسمح بمساواة المختلف ـ أي كان إختلافه ـ دينيا. على نفس المنوال يمكن سحب هذا المثل من مجال الرعاية الطبية إلى أي مجال آخر، فحين تواجه موظفا في أي إدارة من الإدارات الحكومية لا يجب أن يعتمد قضاؤك للمصلحة على درجة إسلامك إذا كان الموظف مسلما أو على درجة إيمانك بالمسيح إذا كان الموظف مسيحيا. قد يقول قائل إن هذه بديهية ولكني أتكلم عن الواقع على الأرض وليس عن المثاليات التي سوف يتفق الجميع عليها ـ لغة ـ وسوف يخالفونها ـ فعلا ـ بعد ذلك.

سوف يحاجج بعض المسلمين بأن تعاليم الإسلام تؤكد ذلك، وسوف أحاجج بأن تعاليم أي دين سماوي أو غير سماوي لا تقول شيئا غير ذلك، ولكني أيضا أؤكد أن كل مظاهر التدين في الشارع المصري لم تصنع من هذه الحقائق واقعا على الأرض، كما أن كل هذه المواعظ والخطب الدينية في كل مكان لم تجعل من البشر المؤمنين أكثر تسامحا، بل أكثر تدينا لأنها لم تعقلن تدينهم، ولهذا فإن فصل العبادات عن المعاملات الذي تنادي به العلمانية يصبح ضرورة لا ترفا.

المشكلة في أن الدعاوى التي تهاجم هذا الشعار ضمن مهاجمة العلمانية تتغافل عن أن القرون الثلاثة العلمانية في أوروبا لم تلغ وجود الكنائس والأديرة من أرضها، بل إن كافة المساجد التي تم بناؤها في أوروبا رُفعت مآذنها في حماية العلمانية. كما أن القرون الثلاثة العلمانية لم تلغ الدين ولم تسع إلى ذلك أيضا، وذلك لسبب بسيط هو أن العلمانية لم تبدأ في أوروبا لمناهضة الدين وإنما بدأت بالأساس لمناهضة استغلاله، فمثلا إمام المتمردين الدينيين "مارتن لوتر" الذي نال سخط الكنيسة في روما ورجال دينها، قاد ثورته ضد رجال الدين الفاسدين الذين يبيعون صكوك الغفران لمجرد أنهم يتحدثون باسم الله. قصدت طرح هذا المثال تحديدا لأن مارتن لوتر في النهاية رجل دين، أي أن التمرد في هذا المثال كان داخليا.

لم تبدأ فصول العلمانية في أوروبا واضعة الدين ـ كدين ـ في بؤرة هجومها، فلو لم يقم رجال الدين القائمون على شئونه باستغلال نفوذهم المستمد من السماء ـ غصبا ـ لما بدأت العلمانية حربها، الحرب العلمانية بدأت ضد تدين المتدينين، ذلك التدين الساذج الذي أقنعهم بإمكانية شراء بيت في الجنة بصك غفران يمكن مساومة رجل الدين على ثمنه، والذي أقنعهم بأن بقاء الحاكم فوق عرشه لا قدر إلهي فحسب بل تلبية لمشيئة الله، والذي أقنعهم بأن الفقر الذي يسببه الكساد عقاب إلهي وليس إساءة تصرف من القائمين على الشأن الاقتصادي وتلاعبا في السوق، والذي أقنعهم بأن انتشار مرض ما تصفية حسابات سماوية مع الخطاة وليس إهمالا من الأنظمة. ما أعنيه أن العلمانية بدأت كحركة ضد التدين وليس ضد الدين، ضد سذاجة الإيمان وليس ضد الإيمان، وهو ما عنى غربلة ـ بل وتفكيك ـ الإيمان وعلمنته ـ إن صح التعبير ـ لكي لا يصبح تكأة لمفسدة الاستغلال الديني الذي يبدأ من بيع صكوك الغفران وينتهي بحروب الإبادة الطائفية.

فصل العبادات عن المعاملات أيضا لم يلغ الأخلاق، وهي الفزاعة التي يستخدمها معارضو العلمانية، لأنه ليس صحيحا أن الضمير البشري قد جاءت به رسل من السماء، وإلا لكانت الجماعات المنعزلة في أفريقيا بلا أخلاق. سوف يحاجج البعض ـ وهم يفعلون ذلك طوال الوقت ـ بالطريقة التي يعيش بها الأوروبيون كدليل على الإنحطاط الأخلاقي، مشيرين إلى الحرية الجنسية خصوصا، هؤلاء لا يعرفون أن الأخلاق ليست مبادئ ثابتة وإنما متغيرات ثقافية، بمعنى أن الحكم الأخلاقي الذي قد يطرحه شخص قد لا يراه آخر صحيحا في إطار ثقافته، ورغم مبدأ الاختلاف الثقافي هذا فإنه لم يمنع من اتفاق الثقافات والأديان جميعها تقريبا على أن القتل خطأ، والكذب خطأ، والخداع خطأ، ومعاقرة امرأة لا تخصني خطأ أيضا، ذلك أن الأخلاق الأوروبية، والمختلفة بالطبع عن أخلاقنا هي ابنة ثقافتها، لهذا لن يدافع حتى أشد العلمانيين في مصر عن استعارة أخلاق من الخارج، ولن يطالب مجتمعه بإقرار الحرية الجنسية إلا إذا أقرتها الرغبة الشعبية، لأن الحرية الجنسية مثلها مثل الحرية الدينية والحرية الاقتصادية سواء بسواء سوف تكون رهن بصناديق الاقتراع والتصويت في مجلس الشعب.

وعليه فإن فصل العبادات عن المعاملات ـ والذي لا يعني البتة إلغاء العبادات كما أوضح هذا المقال ـ قد يكون صمام الأمان في مجتمع تم شحن طوائفه الدينية عاطفيا بإزاء بعضها البعض. ذلك أن المعاملات يجب أن توضع على أرضية المواطنة ـ والتي هي مبدأ أشمل من شعار العلمانية ـ لأنها ـ أي المواطنة ـ ترفض الانتماءات والتحزبات الدينية والعرقية والجنسية، ولذا فإنها تفصل الانتماءات الدينية والعرقية والجنسية عن المعاملات، فيمكن لأي منا ـ مهما كان اختلافه دينيا (مسلم أو مسيحي أم غير ذلك) أم عرقيا (أبيض أو أسود) أم جنسيا (رجل أو امرأة) أن يمارس حريته في اعتقاد ما يشاء، وأن يرتاد مكان عبادته أينما شاء دون أن يشعر أن ذلك قد يجلب إليه أي امتياز كما أنه لن يجلب عليه أي عار.

ومع هذا فلست ممن يميلون للعلمانية الغربية في صورتها الحالية، فقد سبق أن أشرت في أكثر من موضع أن الخطأ التراجيدي الذي وقعت فيه العلمانية التركية ـ باعتبارها المقر السابق للخلافة الإسلامية ـ كان في تجاهلها الدين والفقر ـ وعليه أقول إن العلمانية ليست مذهبا وبالتالي فهي ليست صيغة وحيدة وإنما على المجتمعات التي تقتنع بأن "العلمانية هي الحل" أن تبدأ في صياغة صورة علمانيتها الثقافية المثالية بالنسبة لها، سواء صنعت صورة مشابهة أو مخالفة للعلمانية الغربية، فالعلمانية مبدأ إنساني أولا وأخيرا..

أبو تريكة والقمني


ليس لهذا المقال علاقة مباشرة بعنوانه، ما يعني أننا لسنا بصدد التعامل مع أبو تريكة ولا مع القمني كشخصيتين أصابا ما أصابا من الصخب في الفترة الأخيرة. ومع هذا يظل للمقال علاقة بهما بالقدر الذي يكون لأيهما صلة ما بالطريقة التي يبني بها الرأي العام في مصر قناعاته وأساطيره، الأخير تحديدا ـ صناعة الأسطورة ـ هو موضوع المقال، ذلك أن هذا المقال يتساءل عن الطريقة التي يتم بها تصنيع الأسطورة في مصر ثقافيا، مع ملاحظة أن الدراسات الثقافية ـ منهجية هذا المقال ـ لا تساوي بين الأسطورة كمفهوم وبين الحدث غير الحقيقي، فهي لا تنشغل بحدوث أو عدم حدوث أي من الأساطير، بمعنى أن مفهوم الأسطورة لا يفترض بداية أن مجال الأسطورة غير حقيقي، ما يعني أن أبو تريكة أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك، كما أن القمني أسطورة ـ في السياق الثقافي ـ بصرف النظر ـ أيضا ـ عن كون مفرداتها حقيقية أم غير ذلك.

على مدار السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة لمع نجم لاعب الأهلي محمد أبو تريكة ونال عدة ألقاب تبودلت في وسائل الإعلام منها "الخلوق" وحبيب والديه" و"الساحر" و"القديس"، وبالطبع تؤشر هذه الألقاب على التوجه العام لمن أطلقوها أول مرة ثم يؤشر شيوع هذه الألقاب وخروجها من المجال الرياضي إلى المجال العام على الطريقة التي يبني بها الرأي العام قناعاته. ما أعنيه أن تشكل أسطورة أبو تريكة بدأ من علاقته المباشرة بأرض الملعب (الساحر) كلاعب لا يجرؤ أحدهم على التقليل من موهبته وجدارته انتهاء بعلاقته بالسماء (القديس) مرورا بعلاقاته الإنسانية خارج المستطيل الأخضر (الخلوق وحبيب والديه) ثم الارتكاز إلى علاقته بالسماء في إعادة تدوير الأسطورة. الأهم في رأيي ليس في هذا الاندياح من الخاص (العلاقة الأفقية بالملعب) للعام (العلاقة الرأسية بالسماء)، ولكن الأهم في تبني الجميع ثقافيا لهذه الأسطورة في مجملها والتشديد على العلاقة بالسماء باعتباره متدينا، وهي العلاقة التي تأسست على عدة مواقف منها: استنكار الحصار على غزة بعد تسجيله هدفا في بطولة الأمم 2008 ثم موقفه من مصافحة المطربة نانسي عجرم وغيرها من المواقف.

ما أعنيه أن صناعة الأسطورة الخاصة بأبو تريكة تمت استنادا على علاقته بالسماء، وهي علاقة دللت عليها مواقف إعلامية بالأساس، هذه الصناعة تغافلت عن وضع هذه المواقف في سياق أكثر عمقا وهو سياق آليات السوق باعتبار أن لاعب الكرة ـ أي لاعب كرة ـ الآن ـ هو ضمن منظومة رأسمالية إعلامية إعلانية لا يمكنه الفكاك منها، وهي منظومة غير أخلاقية بالأساس، بل هي منظومة غير أخلاقية بالمرة، وعليه تم تجاهل كثير من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر لولا الأسطرة الدينية التي استطاعت أن تحمي اللاعب مجال الأسطورة من المساس به، وعليه ـ وفي حماية الأسطورة ـ أصبح من الممكن تفسير ـ بل وتبرير ـ كافة أفعال اللاعب داخل الفضاء الوظيفي وخارجه، بما يتسق مع الأسطورة ذات الحضور، فأصبح الكلام عن رغبته في الاحتراف مكافأة نهاية خدمة مشروعة بل واجبة على كل مسلم، كما أصبح الكلام عن تراجعه عن الاحتراف بطولة ووطنية وانتماء إلخ. ما أعنيه أن الأسطورة تفرض على المتعامل معها احتواء كافة المفردات والمواقف لسياقها ونسقها، طالما أن الأسطورة غير قابلة للنقد أو للمراجعة. وهو ما لم يحدث مع أبو تريكة فقط بل مع سيد القمني أيضا.

فعلى الضفة الأخرى من النهر أثيرت مؤخرا قضية مكررة حول كتابات دكتور سيد القمني، لا مجال هنا لسرد فصولها، ولكن ما يعنينا أن الرأي العام في مصر صنع أسطورته حول الرجل بعيدا عن مجال كتاباته، حيث تشكلت الأسطورة حوله استنادا على علاقته بالسماء، فكان محورها التشكيك في إيمانه، متهمة إياه بالكفر والإلحاد، واصفة إياه بالعلمانية التي هي في أدبيات الأسلاميين قرينة الكفر والعياذ بالله!

تمت صناعة أسطورة القمني استنادا إذا على علاقته بالسماء، والتي تشكلت عبر بعض الآراء التي أطلقها بعض رجال الدين الذين أعلنوا جميعا ـ بلا أي إحساس بالألم ـ عدم قراءة كتابات الرجل، بل إن أحدهم ـ وهو الشيخ خالد عبد الله ـ بالغ قائلا إنه لا يضيع وقته في قراءة العلمانيين، أي أن صناعة الأسطورة في حالة القمني استندت على آراء لم تفند محورها إيمان الرجل أو علاقته بالسماء.

على هذا الأساس أجد مشابهة في الأسطورتين اللتين إنشغل بهما الرأي العام مؤخرا، حيث أن كليهما استند على العلاقة الرأسية بالسماء، وَصْفُها في حالة الأول بالحسنة منحه لقب القديس، ووصفها في حالة الثاني بالسيئة منحه لقب الكافر، وحسب موقع كل منهما في العلاقة الرأسية تمت إعادة تدوير الأسطورة، بالنسبة للأول تم تبرير مواقفه كلها في إطار القدسية الممنوحة له، كشخص لا ينطق عن الهوى، ولا يخرج الباطل من بين يديه، وبالنسبة للثاني تم تكفير كافة مقولاته وتجاهل شهادته بأن لا إله إلا الله محمدا رسول الله على إحدى القنوات ورفض قراءة كتاباته وفحصها رغم أنها الفضاء الذي كان لابد أن يحاكم ويناقش من خلاله. أي أن الرأي العام المصري صنع أسطورتيه استنادا على فضاء غير الفضاء الذي كان يوجب التعامل مع الرجلين موضوعا الأسطورتين، وعليه تم تصنيف الأول والثاني في خانتي "القديس" و"الكافر" دون الالتفات إلى أن إيمان الأول وكفر الثاني لا علاقة له بمجال عمليهما، فضلا عن أن إيمان الأول وكفر الثاني ليس له علاقة بدرجة إجادة أي منهما لعمله، فإذا كان الأول لاعب كرة وإذا كان الثاني باحثا اجتماعيا فإن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بجدارتهما في مجال عمليهما. فضلا عن أن درجة إيمان أحدهما ليس لها علاقة بنا لأن أي منا لا يملك مفاتيحها لأن الإيمان محله القلب!

أستنتج من ذلك عدة نقاط منها: أولا أن النموذج الأمثل للمصريين ثقافيا هذه الأيام هو الشخص المتدين، قد يحاجج البعض أن اللاعب موضوع الأسطورة موهوب في مجاله وهذا صحيح، ولكن ما أعنيه أن فعل الأسطرة تجاهل لاعبين آخرين في مثل موهبته بينما تم انتقاؤه خصيصا على أرضية تدينه. وهي الأرضية التي مررت عددا من المواقف التي كان لها أن تهدم أي لاعب آخر، مثل قبوله مبلغ المليون جنيه هبة من رجل الأعمال ساويرس ثم رده مرة أخرى احتراما لتعاقداته مع شركة اتصالات منافسة للشركة التي يملكها ساويرس، وغيرها من المواقف التي تم تبريرها على أرضية أن القديس لا يمكنه أن يخطئ سواء في الفعل أو نقيضه، فحتى إن أراد فإنه لا ينطق عن الهوى كقديس "ليس من هذه الأرض ولكنه من السماء"، التعبير الأخير ورد في أسبوع واحد في مقالتين لاثنين من الكتاب المحترمين في جريدتي الأهرام والمصري اليوم، الطريف أنهما ـ كاتبا المقالتين ـ لا ينتميان للفضاء الرياضي أساسا، وهو ما يعبر عن أن إعادة تدوير الأسطورة عملية لا يقوم بها فرد ولا مؤسسة ولكنها عملية تستقر بعد فترة في اللاوعي الجمعي، طالما لا تتم مراجعتها.

ثانيا أن مثل هذه الطريقة في صناعة الأسطورة ما كان لها أن تكون إلا في سياق ثقافي عام يعمل على تنميتها. في هذا السياق يمكن فهم إعلان مدرب فريق المنتخب حسن شحاتة عدة مرات في مقابلات تلفزيونية أن النجاح الذي حققه هذا الجيل من اللاعبين ـ أفريقيا ـ سببه الأساسي تدين معظمهم والتزامهم دينيا، وهو السياق الثقافي الذي يحيل المسألة برمتها للسماء، وهو نفسه الذي فسر هزيمة 67 في ضوء العلاقة بالسماء على اعتبار أن الهزيمة كانت عقابا سماويا على اشتراكية الدولة، وهو السياق الذي يتجاهل الأسباب الموضوعية للنجاح أو الفشل، وهو ما يمكن إحباطه بسهولة لا مجال له هنا.

ثالثا إذا عرفنا أن فرص صناعة أسطورة مؤسسة على علاقة شخص قبطي بالسماء ضئيلة للغاية إن لم تكن مستحيلة، فهمنا أن المصريين يصنعون أساطيرهم وفق منهجية دينية قبلية، تؤطر المؤمن في خانة الملائكة وتؤطر الكافر في خانة الشيطان، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التأطير يتم وفق نظرة أحادية تماما تفترض أنها تملك الحقيقة المطلقة. باعتبار أن الإسلام هو الدين الصحيح الوحيد من جهة وباعتبار أن الإسلام ليس له إلا صورة وحيدة هي التي صنعها رجال الدين من أصحاب العمائم أو من أصحاب الياقات البيضاء من الدعاة الجدد.

رابعا وأخيرا وهو الاستناج الأكثر رعبا أن المصريين ليسوا فحسب غير قادرين على مراجعة أساطيرهم بل إنهم أيضا لا يرحبون بذلك، بدليل أن أيا ممن يعيدون تدوير أسطورة القديس لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة كما أنا أي ممن يعيدون تدوير أسطورة الكافر لا يرحب بقراءة منظور آخر للمسألة بقدر عدم ترحيبه بقراءة كتابات الرجل والاستسلام في الحالتين لمكنة إعلامية تعيد تدوير الأساطير بلا رحمة.

02 January 2009

لافتة إعلانية بعرض وطن


المتابع لمباريات الكرة، يمكنه ملاحظة كيف تم إلصاق العلامات التجارية علي الزي الرياضي، لدرجة أن بعض الفرق لن تجد بعد فترة مكاناً لإلصاق إعلان جديد، حتي تحول كل لاعب إلي لافتة إعلان متحركة. وكان يمكن من قبل ـ أيضا ـ ملاحظة كيف تحولت المسلسلات التليفزيونيةإلي تكأة فحسب للإعلان، حتي صار المسلسل بمثابة إعلان طويل يتخلله فواصل درامية، كما تم تثمين كل ممثل بقدر ما يمكن أن يجلبه من إعلانات وليس بقدر قيمته كفنان. فضلا عن ذلك فقد انتشرت أيضا ظاهرة الراعي التجاري للأعمال الفنية، فأغنية لمطربة مشهورة، عرفت فيما قبل برصانتها، يتضمن تصويرها عددا من الأجهزة المنزلية التابعة لإحدي الشركات، وفيلم لممثل شاب يتضمن عدة لقطات إعلانية لمشروب غازي وسيارة فاخرة وهاتفا جوالا، بل إن ممثلا آخر يشير إلي أحد الكافيتريات ـ في فيلمه ـ باعتباره المكان المفضل للجميلات في حين يشير إلي كافيتريا منافس ـ ضمن أحداث الفيلم نفسه ـ باعتباره مكانا سخيفا.
هذا التحول في سياسات الأداء الفني، وازاه أيضا تحول في سياسات الأداء الأدبي، فيمكن للمتابع للحركة الأدبية ملاحظة التحول من تعبير الرواية المهمة إلي تعبير الرواية الأكثر مبيعا. والحقيقة أن التعبير الأخير بالذات لم يظهر إلا في الأعوام الأخيرة فحسب، أسوة بالصحف الأمريكية التي لا تعبأ إلا بما يمكن أن يلحق بقائمة المبيعات، فهذه الرواية تصدرت قائمة المبيعات هذا الأسبوع لكنها تراجعت عنه في الأسبوع التالي، وهكذا، دون أن يعني هذا أو ذاك أي معني قيمي، فكتاب لكاتب أمضي عمره الطويل لتطوير أسلوبه وأفكاره لن يكون له قيمة جوار كتاب يحقق أعلي المبيعات، وتتلاحق طبعاته، لدرجة أن بعض الكتب، سريعة التحضير، يمكنها تصدر قائمة مبيعات دار نشر تبيعها بجوار كتب نجيب محفوظ، وبحسبة بسيطة يمكن معرفة ما يمكن أن تصنع قائمة مبيعات شريرة، برواية لكاتب شاب يشق طريقه بصعوبة وبرواية الجريمة والعقاب لديستويفسكي، لمجرد أن كاتباً، يمكنه التفاهم مع السوق جيدا، قد كتب رواية ممتلئة حتي نهايتها بتحابيش وبهارات حسن الإمام. لدرجة أن أحد الكتاب الشباب بدأ في الترويج لروايته مستغلا غرق العبارة الذي راح ضحيته أكثر من ألف مصري، مدفوعا بالطبع بملاحقة حركة الصعود والهبوط في البورصة الأدبية المسماة "قائمة المبيعات".
يمكن فهم هذا التطور في حركة الفن والأدب باعتباره تحولا في المفاهيم الثقافية، فهذا يعني في نهاية الأمر تحولا من مفهوم التقييم إلي مفهوم التسليع، فالفنان لا يقدر بحجم قيمته الفنية وإنما بقدر ما تمثله قيمته كسلعة. والأدب والأديب ـ كلاهما ـ لا يقدران بقدر أصالتهما وموهبتهما ولكن بقدر موقعهما من خريطة المبيعات، مما يعني تثمين ما كان مقدرا فيما قبل لذاته، وتسليع من كان فيما قبل مهمًا في ذاته. الأمر الذي يفسر لماذا تحول المصري إلي كائن غير منتم، لا لوطنه، ولا لعائلته، ولا لنسق قيمه، ولا حتي لنفسه، لأن التسليع كحالة ثقافية تفرض علي الإنسان حالة من حالات الإحساس بالفشل المتزايد، لأن جهده لتحقيق الجدوي يكون بلا فائدة طالما لم تترجم هذه الجدوي لصعود اجتماعي، بمعني أن سعي الأسرة مثلا لتربية أبنائها تربية سليمة لن يكون له معني، ضمن خطة التسليع، ما لم تتحول هذه التربية إلي دفع باتجاه الصعود المادي، وبالطبع فإن فشل الكثيرين، وخصوصا هؤلاء الذين يؤمنون ـ وما زالوا ـ بمبدأ القيمة، في الشعور بجدوي ما يبذلون من تضحية، نتيجة لتجاهل المجتمع المتسلع، بما يقلل من فرص بقاء مشروعاتهم، أو تحولها هي الأخري نحو التشيؤ ـ أي تحويلها لشيء قابل لأن يكون له سعر ـ بما يعني المزيد من التسليع.
طبعا لا يشعر معظم الناس بخطورة التسليع وسياساته الثقافية، بل إن كثيرا منهم يعتبرونه تطورا طبيعيا في مسار المجتمع. هؤلاء لا يعرفون أن التسليع لا يمكن محاصرته واعتقاله ضمن حدود الأشياء المادية، لأنه يتغلغل رويدًا رويدًا ليشمل كل شيء، بداية من الحبيبة إلي الوطن مرورا بالأسرة والبيت والأب والأم، لذا أمكن فقط هذه الأيام استبدال حبيبة بأخري وبيتا بآخر بل ووطنا بآخر. أي أن التسليع يجعل من كل شيء أشياء قابلة للاستبدال ضمن نظام بورصة غير معلن. الأكثر من ذلك أن نظام الاستبدال هذا يفقد الإنسان هويته، لأن السلعة لا هوية لها، بنفس القدر الذي يكون منتج السلعة لا هوية له، كالشركات متعدية الجنسيات. وبالتالي يتحول الوطن من مفهوم إلي شيء، لأنه أصبح قابلا للاستبدال، ومن ثم يفقد هويته، ويفقد أهليته لمنح مواطنيه ما يميزهم، لأنه يكون حينئذ ضمن بورصة يحددها صعود وهبوط مؤشراتها، وضمن قائمة مبيعات شريرة لا تفرق بين كتاب لأجدد النكات وبين كتاب لماركيز، وبين وطن يخصني ووطن معلق عليه لافة إعلانية