المتابع لمباريات الكرة، يمكنه ملاحظة كيف تم إلصاق العلامات التجارية علي الزي الرياضي، لدرجة أن بعض الفرق لن تجد بعد فترة مكاناً لإلصاق إعلان جديد، حتي تحول كل لاعب إلي لافتة إعلان متحركة. وكان يمكن من قبل ـ أيضا ـ ملاحظة كيف تحولت المسلسلات التليفزيونيةإلي تكأة فحسب للإعلان، حتي صار المسلسل بمثابة إعلان طويل يتخلله فواصل درامية، كما تم تثمين كل ممثل بقدر ما يمكن أن يجلبه من إعلانات وليس بقدر قيمته كفنان. فضلا عن ذلك فقد انتشرت أيضا ظاهرة الراعي التجاري للأعمال الفنية، فأغنية لمطربة مشهورة، عرفت فيما قبل برصانتها، يتضمن تصويرها عددا من الأجهزة المنزلية التابعة لإحدي الشركات، وفيلم لممثل شاب يتضمن عدة لقطات إعلانية لمشروب غازي وسيارة فاخرة وهاتفا جوالا، بل إن ممثلا آخر يشير إلي أحد الكافيتريات ـ في فيلمه ـ باعتباره المكان المفضل للجميلات في حين يشير إلي كافيتريا منافس ـ ضمن أحداث الفيلم نفسه ـ باعتباره مكانا سخيفا.
هذا التحول في سياسات الأداء الفني، وازاه أيضا تحول في سياسات الأداء الأدبي، فيمكن للمتابع للحركة الأدبية ملاحظة التحول من تعبير الرواية المهمة إلي تعبير الرواية الأكثر مبيعا. والحقيقة أن التعبير الأخير بالذات لم يظهر إلا في الأعوام الأخيرة فحسب، أسوة بالصحف الأمريكية التي لا تعبأ إلا بما يمكن أن يلحق بقائمة المبيعات، فهذه الرواية تصدرت قائمة المبيعات هذا الأسبوع لكنها تراجعت عنه في الأسبوع التالي، وهكذا، دون أن يعني هذا أو ذاك أي معني قيمي، فكتاب لكاتب أمضي عمره الطويل لتطوير أسلوبه وأفكاره لن يكون له قيمة جوار كتاب يحقق أعلي المبيعات، وتتلاحق طبعاته، لدرجة أن بعض الكتب، سريعة التحضير، يمكنها تصدر قائمة مبيعات دار نشر تبيعها بجوار كتب نجيب محفوظ، وبحسبة بسيطة يمكن معرفة ما يمكن أن تصنع قائمة مبيعات شريرة، برواية لكاتب شاب يشق طريقه بصعوبة وبرواية الجريمة والعقاب لديستويفسكي، لمجرد أن كاتباً، يمكنه التفاهم مع السوق جيدا، قد كتب رواية ممتلئة حتي نهايتها بتحابيش وبهارات حسن الإمام. لدرجة أن أحد الكتاب الشباب بدأ في الترويج لروايته مستغلا غرق العبارة الذي راح ضحيته أكثر من ألف مصري، مدفوعا بالطبع بملاحقة حركة الصعود والهبوط في البورصة الأدبية المسماة "قائمة المبيعات".
يمكن فهم هذا التطور في حركة الفن والأدب باعتباره تحولا في المفاهيم الثقافية، فهذا يعني في نهاية الأمر تحولا من مفهوم التقييم إلي مفهوم التسليع، فالفنان لا يقدر بحجم قيمته الفنية وإنما بقدر ما تمثله قيمته كسلعة. والأدب والأديب ـ كلاهما ـ لا يقدران بقدر أصالتهما وموهبتهما ولكن بقدر موقعهما من خريطة المبيعات، مما يعني تثمين ما كان مقدرا فيما قبل لذاته، وتسليع من كان فيما قبل مهمًا في ذاته. الأمر الذي يفسر لماذا تحول المصري إلي كائن غير منتم، لا لوطنه، ولا لعائلته، ولا لنسق قيمه، ولا حتي لنفسه، لأن التسليع كحالة ثقافية تفرض علي الإنسان حالة من حالات الإحساس بالفشل المتزايد، لأن جهده لتحقيق الجدوي يكون بلا فائدة طالما لم تترجم هذه الجدوي لصعود اجتماعي، بمعني أن سعي الأسرة مثلا لتربية أبنائها تربية سليمة لن يكون له معني، ضمن خطة التسليع، ما لم تتحول هذه التربية إلي دفع باتجاه الصعود المادي، وبالطبع فإن فشل الكثيرين، وخصوصا هؤلاء الذين يؤمنون ـ وما زالوا ـ بمبدأ القيمة، في الشعور بجدوي ما يبذلون من تضحية، نتيجة لتجاهل المجتمع المتسلع، بما يقلل من فرص بقاء مشروعاتهم، أو تحولها هي الأخري نحو التشيؤ ـ أي تحويلها لشيء قابل لأن يكون له سعر ـ بما يعني المزيد من التسليع.
طبعا لا يشعر معظم الناس بخطورة التسليع وسياساته الثقافية، بل إن كثيرا منهم يعتبرونه تطورا طبيعيا في مسار المجتمع. هؤلاء لا يعرفون أن التسليع لا يمكن محاصرته واعتقاله ضمن حدود الأشياء المادية، لأنه يتغلغل رويدًا رويدًا ليشمل كل شيء، بداية من الحبيبة إلي الوطن مرورا بالأسرة والبيت والأب والأم، لذا أمكن فقط هذه الأيام استبدال حبيبة بأخري وبيتا بآخر بل ووطنا بآخر. أي أن التسليع يجعل من كل شيء أشياء قابلة للاستبدال ضمن نظام بورصة غير معلن. الأكثر من ذلك أن نظام الاستبدال هذا يفقد الإنسان هويته، لأن السلعة لا هوية لها، بنفس القدر الذي يكون منتج السلعة لا هوية له، كالشركات متعدية الجنسيات. وبالتالي يتحول الوطن من مفهوم إلي شيء، لأنه أصبح قابلا للاستبدال، ومن ثم يفقد هويته، ويفقد أهليته لمنح مواطنيه ما يميزهم، لأنه يكون حينئذ ضمن بورصة يحددها صعود وهبوط مؤشراتها، وضمن قائمة مبيعات شريرة لا تفرق بين كتاب لأجدد النكات وبين كتاب لماركيز، وبين وطن يخصني ووطن معلق عليه لافة إعلانية
No comments:
Post a Comment