16 December 2008

أسطورة المرأة الغاوية

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=29662&Itemid=41


        ارتبطت المرأة بأسطورة الغواية، فحواء هي التي أغوت آدم بالخطأ الأول فهبط وهبطت إلى الأرض. القص الديني خصوصا في التوراة والإنجيل يحفزان التفكير على هذا النحو، ورغم أنه في القص القرآني "أغواهما" ـ آدم وحواء ـ "الشيطان" ووسوس لهما ـ آدم وحواء ـ الشيطان، وتاب عليهما ـ هكذا ـ الله في النهاية، فإن الخطاب الثقافي الإسلامي يتجاهل القص القرآني لصالح الإبقاء على القص التوراتي لأنه يؤكد إنتاج أسطورة المرأة الغاوية التي تبقي على ذكورة المجتمع العربي الإسلامي.

 

        يبدو أيضا أن أسطورة المرأة الغاوية استقرّت في الخطاب الثقافي العام بفعل فاعل، ففي الكتب التراثية ككتاب "المعارف" لابن قتيبة وغيره قتل قابيل هابيل لأن الأخير حظي بامرأة كان قابيل يرغبها، أما العمل الأدبي الأشهر في تاريخ الحضارة الإسلامية وأعني به "ألف ليلة وليلة" فإن المرأة لا ترغب فحسب في الخيانة وممارسة فعل الغواية بل إنها إن رغبت في ذلك فلن يوقفها شيء أبدا، هكذا دللت قصة الجني الافتتاحية وامرأته التي تحتفظ بخواتم عدد عشاقها رغم أن الجني يحبسها في صندوق، وهكذا تدلل حكاية شهريار نفسه الذي قرر الانتقام من بنات حواء لأن امرأته خانته.

 

        ومع شيوع أسطورة المرأة الغاوية في الثقافة العربية فإنه تم ترجمتها اجتماعيا في حجاب (بالمعنى المباشر وبالمعنى غير المباشر) بكل دلالات الاحتجاب والستر والإخفاء، وتم تدعيم هذا الحجاب بعدة مقولات من قبيل أنه صيانة للمرأة وأنه تكريما لها وهو ما تم التصديق عليه من قبل كثير من النساء اللائي ساهمن في إعادة إنتاج مستمرة للأسطورة. الغريب أن المسكوت عنه في هذه الأسطورة هو أن "الرجل" يحجب المرأة كي لا تغوي "الرجل"، أي أن الرجل في الوقت الذي يحجب فيه المرأة بحجة الحفاظ عليها فإنه في حقيقة الأمر يعمل لصالح نفسه لأن احتجاب المرأة معناه حماية الرجل من الوقوع في الغواية ولذلك ففي رأيي أن القول بأن الحجاب صيانة للمرأة هو قول مغلوط ويجب تعديله بالقول إن الحجاب صيانة للرجل!

 

        من جهة أخرى ففي ظني أن المسكوت عنه أيضا في أسطورة المرأة الغاوية أنها ـ أي الأسطورة ـ ليست دليلا ضد المرأة قدر ما هي دليل لصالحها ذلك أن الأسطورة في النهاية صنعت على يد رجل وليس على يد امرأة بمعنى أن الأسطورة هذه تحمل تصور الرجل عن المرأة وليس حقيقة المرأة ولا تصورها عن نفسها ولا يقلل من شأن ذلك النصوص التي يدعم بها الرجل موقفه وتصوره، ولأن إنتاج الأساطير الثقافية في أي مجتمع يعبر عن مواقف برجماتية لصالح منتج الأسطورة فإن البحث في هذه الأسطورة يجب أن يبدأ من المصلحة التي تحققها هذه الأسطورة لمنتجها وهو الرجل في حالتنا هذه، يمكن القول إن الرجل الذي يُفضل نساء منتقبات أو محتجبات هو رجل يخشى شيطانه لدرجة الموت، فلو أن الرجل لم يكن ذلك الذي يرتعب لفكرة الغواية لما مثّلت المرأة موضوع الغواية في ثقافة هو صاحب خطابها المهيمن. بمعنى أن الخطاب الثقافي المتشدد تجاه المرأة والذي يدافع عنه الكثيرون بحجة أنه حماية للمرأة وصيانة لها وتقديرا لها كذلك هو خطاب ذكوري حتى النخاع ذلك أنه يستهدف بالأساس صيانة الرجل من نفسه ومن رغبته التي يفكر في قمعها، الرجل يفكر في أن المرأة السافرة خطر عليه بينما لم يتوقف للتفكير في أن مصدر الخطورة ليس في المرأة وإنما فيه هو نفسه، فلو أنه قمع فضوله واحترم حرية المرأة لما فكر على هذا النحو أبدا.

 

        المدهش أن أغلب النساء اليوم يفضلن الاحتجاب بصورة أو بأخرى على أن يكن جدار صد لخطاب "المرأة التي تغوي" في حين أن كثيرا من الرجال وكثيرا من النساء يعرفون ويعرفن جميعا أنه كما أن المرأة يمكنها أن تكون محل غواية للرجل فإن الرجل أيضا يمكنه أن يكون موضوع غواية للنساء غير أن خطاب المجتمع بصيغته الذكورية قد تغافل عن هذه النقطة، الرجل نفسه يفضل طوال الوقت أن يكون أنيقا وأن يبدو قويا وشجاعا متوافقا مع صورته المثلى عن الرجل القادر على غواية النساء ورغم ذلك لم يفرض المجتمع على الرجل بخطاباته الدينية ولا الثقافية الاحتجاب بصورة أو بأخرى، إن أسطورة المرأة الغاوية تحافظ للرجل دائما على وجوده في مركز القوة فهو بعيدا عن الغواية من جهة لأنه قام بحجب أمه وأخته وزوجته وزوجات جيرانه وزوجات أصدقائه وزوجات الرجال جميعا بينما هو قادر طوال الوقت من جهة أخرى على غواية أي منهن في أي وقت!

 

        إن أسطورة المرأة الغاوية أسطورة كتبها راوٍ ذكوري حتى النخاع، أشدّ ما يخشاه هو الرغبة التي لم تفلح عقلانيته في كبحها. وفي رأيي أن هذه الأسطورة لا يسأل عنها الرجل فحسب، فرغم أنه صاحب خطابها فإن نساء كثيرات يتحملن مسئولية انتشار هذه الأسطورة. إن قبول النساء اليوم لحجبهن تحت أردية سوداء واستسلام النساء لسعْوَدِة (من سعودية) الشارع المصري هو في نهاية الأمر ليس استسلاما لخطاب الرجل فحسب بل تدعيما له أيضا.

 

No comments:

Post a Comment