18 December 2008

حريق القاهرة.. بالفواصل الإعلانية


        ليس صحيحا أن الفن يشابه الواقع، تلك واحدة من أكثر الأخطاء شيوعا في عالم الفن وفي الحياة على السواء، الصحيح أن الحياة هي التي تقلد الفن بدليل أن ما يحدث في الواقع ليس إلا نسخا مقلدة تقليدا رديئا للفن، كالمنتجات الصينية، فأين قاتل سوزان تميم من سادية الكونت دي صاد أو من إنسانية مكبث في جموحها أو من تفلسف راسكولينيكوف، إن قاتل سوزان تميم نسخة رديئة جدا حتى أنه يبدو وكأنه نتاج كاتب درامي مبتدأ.

 

        الحياة أصبحت نسخة رديئة من فن رديء. ولذا فإن حريق القاهرة الذي شب ولا يزال منذ العام 2005 ليس إلا نسخة رديئة لا من حريق القاهرة 1952 وإنما من صور الحريق الذي شاهدناه في الأفلام المصرية التي تم إنتاجها بعد الثورة، ولأن الأعمال الدرامية السخيفة صارت تقدم مفتتة بفواصل إعلانية أكثر سخفا فإن الحياة لم تعد تنتج أحداثها دفعة واحدة. كنا قديما نشاهد الأحداث دفعة واحدة كقصة مكتملة البناء والشخصيات، كان حريق القاهرة حدثا مكتملا دراميا مثلما كانت الثورة ومثلما كانت الحرب التي أمكنها تغيير العالم وخرائطه في ستة ساعات، أما اليوم فلا يمكننا مشاهدة الحدث نفسه مكتملا أبدا، ذلك أن الحدث نفسه ـ بداية من الانفتاح السبعيني ـ لم يعد له اكتمال فلم يعد له بداية ونهاية، صار حدثا سائلا، الأحداث اليوم يبدو كأنها بدأت عند نقطة غير معلومة لتنتهي ـ هذا إن كانت لها نهاية ـ عند نقطة لا تنتهي.

 

        ولهذا السبب فإن التفكير في موسم الحرائق الذي كان حادث حريق مسرح بني سويف نقطة من نقط بداياته والذي امتد ـ حتى الآن على الأقل ـ إلى حريق المسرح القومي باعتباره حدثا يمكن تلخيصه تحت مسمى "حريق القاهرة" هو تفكير خاطئ كما لو أن ناقدا تقليديا يفسر مسرحية غير تقليدية بمنطق تقليدي. إن كل الكتابات التي تناولت الحرائق اشتغلت على دلالات الحريق كأن يُوصف حريق مجلس الشورى والمسرح القومي مثلا باعتباره تفريطا في عصر الخديوي إسماعيل أو أن يُفسر حريق المسرح القومي باعتباره ناتجا لانشغال وزير بشئون غير وزارية أو أن يفسر حريق المسافر خانة باعتباره حرقا للتراث وإهمالا للأصالة.

 

        فما دامت الحياة تقليدا للفن فإن تفسير أحداث الحياة يجب أن تفسر في ضوء الفن باعتباره الأصل المقلد عنه، فكما في المسلسلات الدرامية التي نشاهدها اليوم تكون الفواصل الإعلانية هي الأكثر أهمية والأكثر إلحاحا فإن مسلسل حريق القاهرة يجب أن يُقرأ في ضوء فواصله الإعلانية وليس في ضوء آخر، فلم يكن حريق مسرح بني سويف أكثر دلالة من تقليل مسئول كبير من حجم الفنانين الذين ماتوا حرقا حين قال "ما فيش ناقد كبير يروح بني سويف عشان 100 جنيه" مقيِّما المأساة في ضوء آليات السوق التي تفضح نفسها بنفسها بوجه مكشوف، الناقد الذي يسافر من أجل مائة جنيه لا يساوي غير مائة جنيه والممثل الذي يحصد الملايين يساوي ملايينه، ولم يكن الفاصل الإعلاني الذي سبق حريق بني سويف وتلاه وهو مهرجان المسرح التجريبي والذي يتلو أيضا حريق المسرح القومي ـ في مصادفة شديدة الميلودرامية ـ أقل دلالة من الحريق نفسه ـ أو بالأحرى الحريقيْن ـ ذلك أن الفاصل الإعلاني يكشف عن تناقض إقامة مهرجان للتجريب في بنية تقليدية ليس هذا فحسب بل في بنية تقليدية منهارة أيضا، فإذا كانت دلالة ما قاله المسئول في كشفها لرؤية العالم بمنطق "التسعير" فإن دلالة المهرجان تعكس رغبة رؤية العالم تلك في "التجميل" وكل منهما يشي بأن اللحظة لحظة درامية أصلا فقد اتفق ـ وفقا لميلودرامية الواقع ـ أن كان العام عام تجميل النظام بما سُمي بالاستفتاء الرئاسي.

 

        إن الاستفتاء الرئاسي الذي جرت وقائعه كفاصل إعلاني مبهج في مسلسل حريق القاهرة هو الأكثر دلالة من المقطع الدرامي لحريق بني سويف والمقطع الدرامي لحريق قطار الصعيد والمقطع الدرامي لحريق العبارة (ربما نسي البعض أن العبارة لم تغرق إلا بسبب ضخ المياه فوق سطحها المحترق) والمقطع الدرامي لحريق مجلس الشورى والمقطع الدرامي لحريق المسرح القومي. قد يكون لكل مقطع درامي دلالته الخاصة ولكن لأن الفاصل الإعلاني الذي يفصل بينها هو الأكثر موائمة مع الواقع شديد البرجوازية لأنه يقوم على "تجميل" المنتج لصالح منحه "سعرا" لا يستحقه فإن الإعلانات المتوالية عن إنجازات الحكومة التي تحاول تجميل قاع المدينة بمد ملاعب الجولف فوق سطحها ليس إلا محاولة لمنح الواقع قيمة ليست له وسعرا لا يستحقه. ولأن المصريين اليوم لم تعد تنطلي عليهم اللعبة ـ لعبة الإعلان ـ فإن الدراما والفواصل الإعلانية والحياة نفسها تحولوا إلى شيء سخيف ليس لا قوام ومن ثم لا قيمة له مما يشي بأنه في الفترة القادمة سوف يكف الناس عن التفكير في دلالة الحدث وفي دلالة الإعلان وسوف يشاركون في صنع الحريق الذي لا يعرف أحدنا إلى أي مدى يمكن له أن يمتد.

No comments:

Post a Comment