16 December 2008

الدون جوانة

http://www.elbadeel.net/index.php?option=com_content&task=view&id=31002&Itemid=41


        دخلت شخصية "دون جوان" أو دون خوان الأسطورية في الفلكلور الحكائي الإسباني في القرن السابع عشر، ورغم تأكيد الرواة أن دون جوان شخصية من صنع الخيال فإن البعض يؤكد أن لها مرجعية واقعية في إسبانيا القرن أوسطية. تقول الأسطورة الأصلية إن دون جوان كان عاشقاً شهيراً غوى أكثر من 1000 امرأة. وبقلب الأسطورة (تأنيثها) يُطرح السؤال لماذا لا يتعاطى المجتمع مع الدون جوانة مثلما يتعاطى مع الدون جوان؟. بمعنى آخر لماذا يتقبل المجتمع وجود الدون جوان بل ويعتمده كمثال للرجولة في حين أنه قطعا سوف يطالب برأس الدون جوانة، وعنه ـ أي المجتمع ـ أنه قال: الغازية لازم تنزل!

 

        في مسرحية نسوية صادمة، ترفع الممثلة طرف ثوبها كأنها في طريقها للتبول مثلما يفعل الرجال، يشهق الجميع في الصالة رجالا ونساء، ولكن في اللحظة الحاسمة تعيد الممثلة طرف ثوبها مرة أخرى، هي لحظة ولكنها كفيلة بالإطاحة بيقين الجمهور من أن الرجال يمتازون على النساء بأن لهم أعضاء لا يُخشى عليها!

 

        وفي مسرحية من مسرحيات الشارع للمخرج البرازيلي إجستو بوال أيضا داخل مترو الأنفاق يتحرش رجل بامرأة فلا يعبأ أحد من الركاب، وفي المحطة التالية تتحرش امرأة برجل فيهب الجميع لحماية الرجل من الشيطانة!

 

        في المسرحيتين يعاد طرح قضية مهمة وهي مدى وثوق المجتمع من بداهاته المتعلقة بالذكورة والأنوثة. في رأيي أن المجتمع وحده من يجعل من مصادفات الميلاد (مصادفة أن يولد الإنسان ذكرا أو أن يولد أنثى) مصادفات سعيدة للبعض ومصادفات سيئة للبعض الآخر.

 

        علينا أن نفهم أن الذكورة والأنوثة نتاج اجتماعي وليس نتاجا للطبيعة، لا يقلل ذلك بالطبع من العوامل البيولوجية ولكن ذلك يعني أن الرجل يولد رجلا ولكن عملية تحويله إلى ذكر هي عملية اجتماعية بحتة ذلك أن ممارسات المجتمع داخل الأسرة بداية ثم الشارع بعد ذلك والتي تمنح الذكر حرية أوسع مما تمنحها للأنثى، فضلا عن الرقابة المشددة على الأنثى في مقابل تساهل المؤسسات الرقابية نفسها مع الذكر لدرجة أن هذه المؤسسات تخفف وطأتها قليلا على الأنثى حين تصبح "أم فلان" كما لو أن الأنثى تتحصن وقتها في فكرة الأمومة كما لو كانت أمومتها عامل نفي لأنوثتها. هذا فضلا عن انغلاق مجتمعات الذكور في المدارس وفي المقاهي وعند النواصي حيث الأنثى موضوع افتراس ومحور قصص يعلن بها الأولاد لرفاقهم أنهم صاروا ذكورا، كل ذلك وغيره هو ما يجعل من هؤلاء ذكورا ومن هؤلاء إناثا. إن التمييز بين الولد والبنت داخل البيت وخارجه هو ما يصنع لدى الولد صورة ذهنية عن نفسه باعتباره ذكرا ولدى البنت صورة ذهنية عن نفسها باعتبارها أنثى الأمر الذي يترتب عليه سلسلة من الممارسات الآلية التي ينخرط بها الأولاد والبنات دون وعي والتي تؤكد كون الذكر ذكرا وكون الأنثى أنثى مما ينشأ عنه إحساس بطبيعية هذه الآليات ونسبتها للطبيعة بما يعني تضليل الذكور والإناث جميعا لأن البشر عادة ما يجعلون من الإجماع مشروعية حتى وإن لم يخضع هذا الإجماع لاختبار الصلاحية.

 

        أقول كل ذلك وفي ذهني ما قرأته عن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي والتي يرجعها البعض خطأ إلى ما يسمونه الكبت لدى الشباب، والخطأ في هذا التصور أنه يستبعد كون فعل التحرش يحدث فقط من الذكور رغم أن الكبت قد أصاب الذكور والإناث جميعا. ما أقصده أن التحرش هو تحرش ذكوري ناتج بالأساس عن الخطاب الذكوري للمجتمع وهو خطاب يتساهل مع أخطاء الذكور بينما لا يسمح أصلا بوجود أي هفوة لدى الإناث، بل إن الخطأ الذكري يقابل في كثير من الأحيان بالترحاب باعتباره تدشينا لذكورة الذكر، لك أن تتصور مثلا رسالة غرامية يتم اكتشافها في دفتر ولد ورسالة غرامية يتم اكتشافها في دفتر بنت!

 

        إن المجتمع الذي يتساهل مع فكرة الدون جوان لا يمكنه أبدا التساهل مع فكرة الدون جوانة ذلك أن الدون جوان فكرة تليق بذكر يعيش وسط عالم من الذكور بينما سوف يسمي هذا العالم أي دون جوانة بأوصاف أقلها أدبا أنها عاهرة.

 

        علينا إذا إن أردنا تحجيم ظاهرة التحرش الجنسي ألا نسمح لأولادنا أن يكونوا ذكورا أي أن نفهمهم أن مصادفة الميلاد لا تعني تمايزا إنسانيا أبدا، وألا نسرب إليهم فكرة أنهم مميزون بحكم الطبيعة كما علينا أن نقلل من مجتمعات الذكور المنغلقة على نفسها سواء في المدارس أو في الجامعات أو حتى على مستوى مجموعات الصداقة. لدينا تعبير كثيرا ما يقال دون أن نفهم حقيقته وهو "أنت مالكش أخوات بنات" والذي يفترض من الذكر أن يكون أكثر لياقة مع الأنثى لأن لديه أخت ـ أي أنثى ـ قابلة للتحرش بمنطق "داين تدان"، وفي رأيي أن هذه العبارة تتضمن أيضا أن الذكور الذين يندمجون مع الإناث داخل مجتمعاتهم باعتبارهم جميعا بشرا سوف يكونون أكثر احتراما للإناث لأن "الأنثى" لن تكون موضوع افتراس ولكنها سوف تكون موضوع شراكة.

No comments:

Post a Comment